هل يشهد الغرب صحوة دينية؟
كتبهاصقر العنزي ، في 29 أكتوبر 2006 الساعة: 23:41 م
قد يبدو للوهلة الاولى ان الحياة في دول القارة الاوروبية وامريكا بعيدة عن الدين المسيحي الحقيقي وان صلاتها بالكنيسة كرمز للتدين شبه مقطوعة ان لم تكن لا صلات بينهما البتة. ولعل ما يدفعنا الى هذا الاعتقاد هو أن جل الافكار التي تنادي بإبعاد الدين عن قيادة وتنظيم الحياة خرجت من الرحم الاوروبي، حيث استلهم الانسان هناك قوانين وضعها لنفسه من أجل القضاء على التسلط الكنسي الذي كان مسيطرا على عقول البشر. كذلك ما نراه من حياة مادية طاغية غشيت المجتمعات الغربية وأبعدتها كثيرا عن الدين وشعائره.
قد تتغير هذه النظرة في المستقبل القريب اذا علمنا ان الدين اصبح محركا اساسيا في الحياة الغربية خاصة في امريكا. حيث يشير الكثير من التقارير والدراسات الى عودة غربية نحو التدين والقرب من الكنسية. حيث نشر مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية تقريرا عن مسح عالمي للقيم ومشروع دراسة القيم الاوروبية ونشرته مجلة المجلة في عددها 1391. حيث تم طرح سؤالين على عينة الدراسة من الاوروبيين وهما: هل تنتمي الى طائفة دينية ؟ وهل تعتبر نفسك شخصا متدينا؟ نتيجة الاستبيان جاءت لتدل على ان نسبة التدين ومعدل الانتماء الى طائفة دينية بلغت حوالي 58 بالمائة وجاء الشعب البولندي على رأس الشعوب الاوروبية الاكثر تدينا. كذلك اشارت الدراسة الى ان ما نسبته 75 بالمائة من الاوروبيين ينتمون الى طائفة دينية. كذلك 71 بالمائة من الاوروبيين يزورون الكنسية ولو جاءت الزيارة على فترات متفاوتة. من جهة اخرى اعتبر ما نسبته 67 بالمائة من الاوروبيين انهم متدينون، وبلغت نسبة الملحدين 5 بالمائة فقط. ولعل هذه النسبة قد تثير فضول الكثيرين ممن يعتقدون ان كثيرا من الشعوب الاوروبية شعوب ملحدة لا تؤمن برب ولا بدين.
كذلك نشر تقرير اخر مفاده أن الشعوب العربية تنظر الى نفسها انها شعوب متدينة ومرتبطة ارتباطا كبيرا بالدين الاسلامي، بينما تنظر الى الشعوب الغربية على انها شعوب بعيدة عن الدين والدين غير مهم لها. على العكس من ذلك ترى الشعوب الاوروبية ان الدين مهم لها وانها شعوب متدينة على الرغم من سطوة العلمانية هناك وتسييرها للحياة. وتنظر الى الشعوب المسلمة على انها شعوب متدينة اكثر من اللازم.
اما الامريكيون فيستعرض سمويل هنتنغتون في كتابه (من نحن؟ التحديات التي تواجه الهوية الامريكية) الكثير من الحقائق عن الشعب الامريكي معتمدا في اغلبها على استطلاعات الرأي وجلها يشير الى تصاعد مطرد لدور الدين في الحياة هناك. يقول هنتنغتون عن أزمة القسم الامريكي (في حزيران 2002 وفي محكمة استئناف الدائرة التاسعة في سان فرانسيسكو قررت هيئة من ثلاثة قضاة ان عبارة ( برعاية الله) في قسم الولاء الامريكي هي انتهاك للفصل بين الكنسية والدولة وانها عبارة تؤيد الدين لذا فان اضافتها الى القسم بقانون الكونغرس عام 1954 امر غير دستوري). هذه العبارة يقول عنها الرئيس الامريكي الاسبق (ايزنهاور) انها (إعادة تأكيد على تفوق الإيمان الديني في تراث ومستقبل أمريكا). هذا القرار اثار جدلا كبيرا في اوساط المجتمع الامريكي وكان الأكثرية وغالبية الاوساط السياسية تقف معارضة لقرار الهيئة. فالرئيس بوش قد وصف هذا القرار بانه (سخيف) وقال عنه قائد الأكثرية الديمقراطية في مجلس الشيوخ ( توم داشل) بانه (هراء). اما حاكم ولاية ينويورك جورج باتاكي فقال انه (عدالة بالية). وابطل مجلس الشيوخ هذا القرار. اما مجلس النواب فقد اجتمع لإلقاء القسم وغناء ( ليبارك الله أمريكا).
واشار استطلاع اجرته مجلة نيوزويك ان 87 بالمائة من الناس يؤيدون تضمين العبارة في القسم بينما عارضها تسعة بالمائة. ويعلق هنتنغتون على ذلك فيقول (وقد عكس تأييد العبارة "برعاية الله" المدى الذي يبدو فيه الامريكيون هم أحد أكثر الشعوب تدينا في العالم، لا سيما بالمقارنة مع شعوب ديمقراطية وعالية التصنيع). واشار مركز استطلاع القيم العالمي في عام 1993 الى ان امريكا هي البلد البروتستانتي الاكثر تدينا.
وفي احد الاستطلاعات عام 1991 (فضل 78 بالمائة من الامريكيين السماح للتلاميذ بتلاوة الصلوات كجزء من اساسات المدرسة. واعطاء دروس طوعية عن الانجيل، وعقد اجتماعات طوعية لمجموعات معتنقي المسيحية، ووافق 73 بالمائة على تقديم الصلوات قبل الالعاب الرياضية). وفي استطلاعات للرأي نشرت في عام 2003 (قال 57 الى 65 بالمائة من الامريكيين ان الدين مهم جدا في حياتهم. كذلك قال 66 بالمائة من الامريكيين انهم اعضاء في كنسية. وقال 58 بالمائة انهم يصلون مرة واحدة او اكثر في اليوم).
ومع ان هنتنغتون يشير الى ان بعض هذه النسب مبالغ فيها الا انه يذكر ان مستوى النشاط الديني في امريكا يبقى عاليا. وان( 42 بالمائة من الامريكيين يقدمون تبرعاتهم الخيرية الى منظمات دينية أكثر بثلاث مرات من اي فئة اخرى). ويقول ايضا ( تجمع التقارير على ان غالبية الامريكيين يذهبون الى الكنسية أكثر مما يذهبون الى المناسبات الرياضية).
اما في السياسة وعلاقتها بالدين فيقول باتريك غلين ( إن إحدى اهم السمات المدهشة وغير المتوقعة في الحياة الامريكية في نهاية القرن العشرين هي عودة ظهور الشعور الديني قوة اساسية في السياسة والثقافة). ويذكر هنتغتون انه (في عام 2000 تلقى جورج بوش الابن 84 بالمائة من اصوات الانجيليين البروتستانت البيض الذي يواظبون على ارتياد الكنسية، ولعلهم شكلوا 40 بالمائة من مجموع اصواته. لقد غدا الانجيليون قوة رئيسة ضمن الحزب الجمهوري). وعندما سئل الرئيس جورج بوش الابن عن فيلسوفه المفضل قال( المسيح لأنه غير قلبي، عندما تسلم قلبك وحياتك للمسيح، عندما تتقبل المسيح كمخلص، فانه يغير قلبك ويبدل حياتك، وهذا ما حدث معي).
الرئيس بوش يرى نفسه انه انسان متدين ارسله الله لتطبيق العدل بين الناس، وتخليص الشعوب المغلوبة على امرها من ربقة انظمة فاسدة، واخراجها من ضيق الديكتاتورية وظلمها الى فسحة الديمقراطية وعدلها. أليس هو من قال حين (زل لسانه) ان حروبه العابرة للقارات هي في حقيقتها (حروب صليبية)!!. لذا فلا نستغرب اذا علمنا ان السياسة الامريكية الحالية تسير وفق تعاليم ونظرات دينية.
اخيرا، الى ماذا ترمي كل هذه الحقائق؟ هل تشير الى المبادىء العلمانية التي تشهد تراجعا في الغرب بعد ان شعر الانسان الغربي بأنها مبادىء لم تجلب له السعادة في الحياة؟ وهل ما نشهده اليوم من صراع يحتدم بين الغرب ومسيحيته وبين العالم الاسلامي واسلامه هو نتيجة حتمية لهذه النزعة الدينية المتصاعدة عند الغرب؟ وعلى الجانب الآخر، لماذا تدفع المجتمعات العربية والاسلامية الى البعد عن (الاصل) وتجبر على التخلي عن مبادئها وتدعو الى تبديل قيمها الاجتماعية وتحارب في (دينها) بينما على الضفة الاخرى نشهد صحوة دينية غربية يؤمن معتنقها بأنها عودة نحو الاصل؟ وهل لا يزال فريق منا يعتقد ان الدين لا يؤثر في حياة المجتمعات ورقيها ولا يزيد قوة الدول وعنفوانها؟ وهل من ينادي بالتجديد على النسق الغربي يدرك هذه الحقائق خاصة تلك التي في المجتمع الامريكي أم لا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فكر | السمات:فكر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























