خطوة رائدة على طريق الوحدة العربية

كتبهاصقر العنزي ، في 24 ديسمبر 2006 الساعة: 19:37 م

عاش العالم العربي سنوات طويلة من الصراع المستعر بين التيار القومي العربي والتيار الاسلامي كانت نتائجه مزيدا من الانحطاط والتشرذم والتفكك والانهيار التام وتكريس لحياة البؤس والفقر والجهل. وكان كل طرف يرى في مشروع نظيره تهديدا لمشروعه الخاص وخطرا محدقا به ومن الواجب الحتمي الوقوف بوجه هذا التهديد بكل حزم وقوة (هذا مع افتراض ان هنالك مشروعا واضح الملامح عند كلا الفريقين) .
ولعل اكبر مثال على هذا الصراع القومي الاسلامي ماحدث بين عبدالناصر والاخوان المسلمين في مصر حيث حاول القوميون العرب استئصال الاسلاميين والتنكيل بهم والزج بهم في غياهب السجون واعتبارهم خطرا محدقا بمشروعهم القومي الذي سيوحد العرب بكافة اديانهم وطوائفهم ومشاربهم ويجعل منهم قوة ضاربة. ومع كل ذلك ورغم كل ما فعلوه لم يستطع القوميون ازالة الاسلاميين من الساحة بل كانت تلك المرحلة دافعا لللإسلاميين نحو اعادة البناء وترميم الصف والقدوم بقوة الى الساحة المصرية وهاهم الاخوان اليوم في مصر يعتبرون رقما صعبا في المعادلة المصرية. اضف الى ذلك ان القوميين العرب حين حكموا آنذاك لم يقدموا شيئا يذكر للامة العربية سوى شعارات براقة وخطب رنانة كانت نهايتها احتلالا صهيونيا لبقية الاراضي من فلسطين وخسائر تترى للعرب ومن ثم سلام الضعفاء مع عصابات اليهود.
ورغم هذا الصراع المرير شاهدنا قوميين عربا يساندون اسلاميين ضد حكوماتهم القومية لأغراض سياسية وهذا ما يدفع البعض الى القول ان أغلب الخلاف القومي الاسلامي هو خلاف سياسي أكثر من كونه خلافا فكريا ومنهجيا مع الاعتراف بوجود الخلاف المنهجي. وأن كل ماحدث بين التيارين كان لإسباب سياسية بحتة بعيدا عن اصالة كل مشروع خاصة وأن نزعة الاستئثار بالسلطة كانت هي المسيطرة بغض النظر عن طبيعة المشروع ونوعيته حتى ولو كان (مشروع الشيطان), فالإحتفاظ بالكرسي كان رأس الأمر عند القوميين خاصة. والبعض يرى ان الخلاف المنهجي في علاقة الدولة بالمجتمع وطريقة الحكم وتشريعاته هي لب الخلاف وأسه.
ولعل الجفوة الكبيرة المتولدة عن هذا الصراع طوال سنين مضت وبقاء حالة الضعف والهوان في الشارع العربي وتكالب الامم الغربية على المنطقة العربية والعمل على زعزعة استقرارها وتفتيتها من اجل مصالحهم, دفع بالتيارين القومي والاسلامي الى التفكير مليا لإنهاء حالة القطيعة والعمل سوية على تجاوز الماضي واستشراف المستقبل واقامة جسور ود ووئام تساعد على تحقيق الوحدة القومية الاسلامية والوقوف سوية في وجه التهديدات المحدقة بالعالم العربي خاصة وان هذه التهديدات والتحديات لا تعترف بنوعية المقابل أكان قوميا او اسلاميا فالأمر سيان عند المخطط الغربي مادام الهدف هو السيطرة على المنطقة العربية وامتصاص خيراتها والدفع بها بعيدا عن التمنية الشاملة وركب الحضارة والتطور. لتظل في حالة ضياع وجهل تجبرها على الخضوع لمطالب العالم الغربي والاعتماد عليه في كل شيء.
من اجل ذلك كان قيام المؤتمر القومي الاسلامي بادرة طيبة وخطوة رائدة على طريق الاصلاح المنشود في العالم العربي وتكاتف الجهود من أجل النهوض عبر تحركات شعبية لا ترتبط بسلطة او حكومة او دولة. حيث يهدف المؤتمر الى صياغة مشروع استراتيجي موحد يهدف الى تعزيز الوحدة العربية ويتجاوز خلافات الماضي ويوحد الصفوف لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل. وانشأ المؤتمر لجنة سماها (لجنة اطفاء الحرائق) وهي تعمل على اطفاء اي محاولة لإشعال فتيل النزاع القديم واستحضاره بين التيارين. ورغم أن المؤتمر انشيء عام 1994 الا انه يكفيه انجازا انه نجح في تجاوز الخلافات القديمة على عمقها بين التيارين القومي والاسلامي ونظر بعين ثاقبة نحو المشترك بعيدا عن المختلف فيه من أجل الوحدة العربية المنشودة. وهذا ما لم يستطعه الكثيرون. ورغم ان هذه الخطوة الرائدة لم تجد ترحيبا من قبل الحكومات التي تعيش على الخلافات فيكفي ان الشعوب تنظر اليها على انها خطوة رائدة ينتظر منها الكثير في المستقبل القريب لصالح العالم العربي الذي يعيش التمزق والخلاف رغم وحدة العرق واللغة خاصة وان العوالم الاخرى المجاورة لنا تسعى الى الوحدة فيما بينها مع اختلاف اعراقها ولغاتها.
ونقاط الاتفاق بين التيارين كثيرة رغم الخلاف المنهجي. فهناك قضايا مشتركة تهم الجميع بغض النظر عند مرجعيتهم او ايديولوجيتهم التي ينطلقون منها. ومن ذلك الاتفاق على نصرة القضايا العربية المصيرية بشتى الوسائل ولعل في مقدمتها قضية فلسطين. فالقومي والاسلامي متفقان على ضرورة نصرة المقاومة هناك لتحرير كامل الارض وعدم القبول بكل الاتفاقات التي عقدت مع المحتل الصهيوني بل والوقوف في وجهها لانها اعتراف واقرار بشرعية الاحتلال على ارض عربية حرة. كذلك الوقوف بجد وحزم ضد كل محاولات تمييع القضية و(الملل) منها ومحاولة التخلص من هذا الصداع المزمن – كما يقول البعض- بأي طريقة كانت ولو كان عبر تنازلات عن المقدس عند العرب والمسلمين. كذلك العمل على اعادتها الى محيطها الاساسي والى الشارع العربي والاسلامي وسط محاولات اختطاف من البعض باعتبار انها قضية تخص الشعب الفسطيني وحدهم دون غيرهم من العرب. وهذا خطأ جسيم لا يقول به حتى الفلسطنيون الشرفاء حيث يعتبرون ان قضية فلسطين هي قضية العرب والمسلمين جميعا. ولا يمكن لفريق حتى ولو كان فلسطينيا ان يستأثر بها عن بقية العرب والمسلمين.
ومن القضايا الهامة اليوم قضية العراق حيث يقف التيار الاسلامي والقومي على السواء في رفض الغزو الامريكي للعراق واعتباره حلقة من حلقات المشروع الغربي في المنطقة. و من الواجب الحتمي الوقوف في وجهه وكشف مخططه المغلف بشعارات الديمقراطية والحرية والذي يهدف الى تقسيم العراق وتفكيكه كحلقة اولى من حلقات تفتيت العالم العربي الى دويلات صغيرة تقوم على اساس طائفي وعرقي. كذلك دعم المقاومة العراقية الشريفة والوقوف في وجه كل محاولات نزع العراق عن محيطه العربي من قبل بعض اصوات نشاز تمثل مشاريع خارجية غربية واقليمية , وجدت في غزو العراق فرصة سانحة لتحقيق حلم قديم واعادة تاريخ سابق.
كذلك الوقوف بحزم في وجه المشروع الغربي في شتى اشكاله وتنوعاته السياسية والاقتصادية والثقافية, والعمل على التوعية بهذا المخطط والتعبئة ضده. والدفع بمهمة حفظ حقوق الانسان العربي الى مستويات عالية من التثقيف والتعريف والعمل الجاد خاصة وان العالم العربي يعيش أزمة حقوق انسان خانقة حيث لا يزال الاستبداد والاحتكار هما سيدي الموقف حيث تكبت الحريات العامة ويغيب التعايش السلمي بين أفراد المجتمع الواحد. كذلك محاولة اشاعة الشورى والديمقراطية الحقة والتي هي السد المانع لكل اشكال الاستبداد. كذلك اتفق الفريقان على ان الوحدة العربية هي المنطلق الى الوحدة الاسلامية. وهنا استغرب كثيرا من طرح بعض الاسلاميين الذين يصارعون ضد هذه القضية ويطالبون بوحدة اسلامية شاملة دون المرور بوحدة عربية, وهذه اضغاث احلام.
اخيرا, يجب على كل المثقفين العرب دعم هذا المؤتمر ومساندته بكل قوة حتى يحقق ما يهدف اليه, ومحاولة انزال ما يشرعه المؤتمر الى حقائق على الارض حتى يستعيد العالم العربي شيئا من عافيته ويعاد الأمل بوحدة عربية قوية تكون الشرارة لقيام النهضة الشاملة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فكر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر