ثقافة الصراع

كتبهاصقر العنزي ، في 14 يناير 2007 الساعة: 16:07 م

سيطرة ثقافة المعركة والصراع والعنف على تعاملات البعض مع مخالفيهم دليل على غياب ثقافة الحوار وضيق الصدر بالخلاف والمخالفين. وفيه كذلك تزكية غير مباشرة للنفس واتهام مبطن للغير. ولكل ذلك اثر سلبي كبير على هؤلاء وعلى المجتمع الذي يعيشون فيه.
وتتحول هذه الثقافة ان قويت شوكتها المجتمع إلى مجتمع ضعيف مترهل متهالك وتقسمه إلى مجتمعات متفرقة وأحزاب متشتتة وفرق متنافرة لا يجمعها رابط. ووسط هذا الجو السلبي تنشأ حالة من العداء الفكري والثقافي وعدم الاستقرار والقلق المتواصل. ويصعب عندها الحديث والاتصال والالتقاء بين أفراد المجتمع الواحد. كل فرقة تتصيد أخطاء الفرقة الأخرى, وكل إنسان يعمل من اجل نفسه غير مكترث بالمصلحة العامة. وهنا من السهل لكل متربص أن يصطاد بالماء العكر ويزيد من أوار هذه الحروب والصراعات والمعارك لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية.
فكم من كتب الفت ومقالات كتبت سيطرت عليها ثقافة العنف والمعركة. احدهم ألف كتابا هو اقرب إلى أن يكون كتابا حربيا منه إلى كتاب فكري ثقافي. هذا الكتاب يصف لك بالمثال كيف تشهر سيفك مسلطا في وجه مخالفيك وكيف تهزم خصمك بالضربة القاضية. بل لا يكتفي بذلك فهو يعلمك أيضا فن الاستهزاء والسخرية بشكل ومظهر مخالفك وكأن خلافك مع الآخرين ليس خلافا على فكرة يحملها في ذهنه ولكن خلافك مع مظهر الشخص ولون بشرته وشكل عينيه وأنفه وحالته الاجتماعية. هذا الإنسان حياته عبارة عن صراعات وحروب فكرية أو ثقافية أو منهجية. سيطرت عليه هذه الثقافة فجعلت منه جنديا يحمل سلاحه عند كل نقاش أو حوار يدور فهو لا يحسن إلا ثقافة المعركة وفن الصراع. لقد كان بإمكانه أن يعالج الأفكار وينقدها دون الدخول في قضايا شخصية لمخالفيه من حسن الأدب والتعامل تجنب ذكرها. ولكن أبت له نفسه إلا الولوج فيها فجلبت له الكثير من الأعداء دون مبرر. إن المصيبة الكبرى هي عندما يتحول الخلاف إلى الشخصنة واتهام الآخرين في أشخاصهم وأعراضهم وخصوصياتهم والتشهير بهم وكل ذلك من اجل إسقاطهم بأي شكل من الأشكال لإثبات تفوق النفس وانتصارها في هذه المعركة.
وهناك فئة لا تزال تعيش في عالم مغيب عن الحقيقة وتسير وفق عاطفة جياشة يرافقها حسن نية وسلامة قصد ولكن يعيبها سوء العمل وخطأ التصرف. فكم حادوا عن جادة الصواب والسبب في ذلك غياب العقل وحضور العاطفة. وهي فئة سهلة الاستدراج نحو المزالق ومن السهل اشغالها بفتات الامور وابعادها عن عظائمها. وكم شغلت هذه الفئة بثانويات الامور على حساب الرئيسة منها. هذه الفئة لا تجيد فن الحوار ولا تعرف من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الا الجزء الاخير منه فالتشدد والتعنيف صفة لازمة لها. كذلك يعيب فيها عدم فهم المقال بأمانة وتعقل. وانني لأجزم بان الكثيرين من الذين وقفوا في وجه كثير من المفكرين والكتاب من اصحاب الكتابات التي لا توافق فكرهم امثال الدكتور الغذامي وغيره وصبوا جام غضبهم عليهم وشهروا بهم في مجالسهم ومنتدياتهم, لم يقرأوا شيئا من كتبه بل حتى لا يعرفوا عن هؤلاء سوى انهم أناس من التدين والامانة الوقوف في وجوههم. خاصة اننا نعيش في عصر من السهل فيه وصم رجل بالانحراف الفكري او البعد عن جادة الصواب وربطه بأفكار العلمانية والليبرالية وقد يكون ذلك لمجرد خلاف بسيط معه. حتى ولو كان هذا الخلاف سائغا. وكثير من هؤلاء لا يتذكر (الجنة ونعيمها) الا حين يرى امامه احد من يسميهم العلمانيين والليبراليين, فهم يحتسبون الاجر في وقوفهم بوجه هؤلاء. هذا فكيف لو وجد في مجتمعنا امثال الفيلسوف العلماني محمد أركون على سبيل المثال, اعتقد انه لن يعمر طويلا!!. كذلك هذه الفئة تصف كل مخالف لها بالبعد عن الدين او سوء فهمه وتفسيره, وهي تسخط حين الخلاف وتغضب عند المخالفة وتتشنج عند سماع ما لا ترضى من القول.  وتزبد وترعد مجاهدة في سبيل إعلاء رأيها وإبطال الآراء الأخرى وفي سبيل الهوى المسيطر.  فهي في جهاد مستمر وثورة متواصلة تسن لها السيوف والرماح. في كل يوم لها حرب جديدة وضحايا جدد. يقول احد ضحايا هذه الفئة من الكتاب انه كان جالسا في احد الصفوف الامامية في صلاة الجمعة والخطيب يخطب بحماسة عن العلمانيين وخطرهم حتى ضمني معهم وقال عني انني رجل أحارب الله ورسوله؟ فكيف يأتي الى الصلاة من يحارب الله ورسوله؟  شيء من العقل يا قوم.
على الجانب الآخر هناك فئة أخرى تريد ان تصادم المجتمع المحافظ وتقف في وجه قيمه ومبادئه وتعمل بجرأة على زعزعتها والتهوين من شأنها. هذه الفئة تصف نفسها بالمنفتحة على العالم والفئة المتنورة العارفة بأساليب التطور والتحديث, وتصف كل مخالف لها بالجهل وعدم الفهم والعيش في غياهب الظلام. وهي في حقيقة الامر الوجه الآخر للعملة. هذا مع انها فئة لا تجيد من تلك الاساليب الا فن التقليد والتبعية العمياء, فهي تردد ما تسمع هناك دون وعي وفهم. ولو خبرت باطنها لعرفت انها خواء. وما هي الا عناوين براقة لا حقيقة لها. وهي تجيد فن تضخيم الامور الصغيرة لتحقيق مآرب شخصية يسندها في ذلك بعض صحافة لا تعرف للحياد طريقا.
وفي هذا الكم الضخم من الصراع تضيع المصلحة العامة ويصبح الهوى سيد الموقف.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إصلاح | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر