هاجس الخصوصية وتضخيم الذات
كتبهاصقر العنزي ، في 13 مارس 2007 الساعة: 21:07 م
لكل مجتمع قيمه ومبادئه التي تميزه عن غيره من المجتمعات, وتتفاوت المجتمعات في تميزها بحسب درجة اتباعها للقيم والمبادىء العالية والتزامها بها. وقد تجد مجتمعا ما قد امتاز في حفاظه على السلوك الاجتماعي لأفراده مثلا ولكنه اغفل السلوك السياسي, بينما تجد مجتمعا آخر قد امتاز بالنضج الفكري والسياسي ولكنه أغفل جانب السلوك الاجتماعي. لذا من الصعب ان تجد مجتمعا قد اكتملت فيه كل صفات المجتمع المثالي.
ومن هذا الباب اقول: كثيرا ما نسمع أن لمجتمعنا خصوصية وأن مجتمعنا ليس كبقية المجتمعات, واننا لسنا كغيرنا. حتى اصبحنا مع هذه الخصوصية نمجد انفسنا ونميزها عن بقية البشر, وننظر الى المجتمعات الاخرى بنظرة متعالية. ولقد تضخمت هذه الظاهرة حتى اصبح كل فرد من افراد المجتمع, عامة وخاصة, يدندن على هذه الخصوصية ويرفع بها عقيرته ويعتقد أنه بها يزود. ولعل وجود الحرمين الشريفين اللذين لهما قدسيتهما بلا شك شرف كبير لكل مجتمع ان يقوم على خدمتهما, وقد اضاف ميزة عالية واوجد خصوصية لمجتمعنا عن غيره من المجتمعات. ولكنها خصوصية محددة بخدمة الحرمين ولا ينبغي ان تتسع لتطغى على كل شيء. فالأمر المبالغ فيه حقيقة ان تتحول هذه الخصوصية الى (خصوصيات) كثيرة, وتطغى على كل شيء في الحياة الاجتماعية.
هناك هاجس الغزو الفكري واثره الكبير على المجتمع. وهو هاجس مشروع بل من لا يتخوف من الغزو الفكري فهو إما غافل عنه جاهل به او مشارك فيه. فالغزو الفكري فعل هدام يهدف الى تفكيك القيم والمبادىء الاجتماعية وله اثره السلبي الكبير على الاسرة وترابطها وعلى الشباب وعلى السلوك الاجتماعي بشكل عام وفيه جر للمجتمع نحو تقليد مجتمعات اخرى غاصت في وحل التفكك والانحلال. ومحاربته واجب محتم على الجميع. مع ان في الأمر مبالغة كبيرة في كثير من الاحيان وصلت الى حد محاربة بعض الافكار السامية واعتبارها أفكارا مضللة. فباسم الخصوصية حوربت الافكار الجميلة وازهقت المشاريع النبيلة, وابتعد المجتمع عن اللحاق بركب الحضارة. فهذه الظاهرة كان لها الدور الكبير في عدم تقبل المجتمع للجديد من الافكار, بحجة انها افكار دخيلة, وابتعاده عن التحديث خاصة في جانبه الفكري والثقافي والسياسي.
وباسم الخصوصية كذلك تمت محاربة منجزات الحضارة الصناعية واهمها التطور التقني. ولعل الانترنت والفضائيات مثال على ذلك. فهذه الوسائل حولت العالم الى قرية صغيرة يستطيع الانسان معها الاطلاع على ثقافات المجتمعات الاخرى. فأصبحنا نسمع اراء دينية وسياسية واقتصادية غير التي كنا نسمع, بل وعرف المجتمع ان في الاسلام فسحة وأن فيه رأيا آخر غير الذي كان يعرف لكثير من قضاياه. فهذه الوسائل وما تعرضه اثارت الاسئلة عند الناس واحيت في النفوس النظر بعين الانصاف للآخرين, واماطة لثام الخدر عن (بعض) العقول, وبعض العقول لا تريد ان تصحو من خدرها.
وكثيرا ما نسمع ايضا ان لمجتمعنا خصوصية دينية نابعة من تطبيق (الكتاب والسنة). دون تعريف صريح وواضح لمعنى هذه الخصوصية فالكتاب هو القرآن والسنة هي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم, وهذا معنى عام فضفاض فكل العالم الاسلامي يتبع منهج الإسلام, وفق تفسيرات العلماء المعتبرين. وهنا نقع على المحك. هل اتباعنا هو اتباع ظاهري لنص القرآن والسنة دون الحاجة الى تفسيرات العلماء المعتبرين لهذه النصوص ام هو اتباع لبعض آراء العلماء مع التجاوز في استخدام لفظ العموم (الكتاب والسنة)؟ ولعل الاخيرة هي الأقرب وهو استخدام يوحي بنزعة صريحة نحو تملك الحقيقة المطلقة عن بقية البشر وتشي بشعور أن كل متبع لغير هذه الحقيقة هو مخالف لما جاء في الكتاب والسنة. هذا ما يفهم من تعميم هذا اللفظ. ولو نظرنا الى واقع الحياة لوجدنا ان غيرنا من المجتمعات قد سبقتنا الى تطبيق كثير من (الحقائق) التي غابت عنا. بل وخرج مصطلح جديد وهو خصوصية العالم الديني. ولا أدري من اين نبعت هذه الخصوصية ؟ وهل هناك تميز لبعض العلماء عن بقية علماء الأمة؟ وما هو مكمن هذا التميز؟ اسئلة كثيرة تحتاج الى اجابة مع الاعتراف التام بفضلهم وعلمهم ومكانتهم فهم فوق رؤوسنا بلا شك, وندعو لهم بظهر الغيب. لكننا قد اوجدنا لهم قدسية هم لا يرضونها لأنفسهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فكر | السمات:فكر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























