أمريكا…المؤمنة بالله

كتبهاصقر العنزي ، في 27 مايو 2007 الساعة: 23:11 م

« مشيت في انحاء البيت الابيض ليلة تلو أخرى, حتى منتصف اليوم وجثوت على ركبتي مصليا لله العلي العظيم كي ينورني ويرشدني»…» لم يكن يتبقى أمامنا سوى أن نأخذهم جميعا, ونثقف الفلبينيين وننهض بهم ونمدنهم ونجعلهم مسيحيين» هكذا كان يقول الرئيس ولييام مكينلي ابان احتلال امريكا للفلبين ابان الحرب الاسبانية الامريكية عام 1898. في تقرير نشرته مجلة نيوز وييك 8 مايو الماضي بعنوان (بالله يؤمنون).
يتحدث هذا التقرير الذي كتبه ايفان توماس وآندرو رومانو عن الايمان بالله عند الادارة الامريكية, وعن علاقة الرؤساء الامريكان بالدين خاصة في الحروب, وكل ذلك يوحي الى مدى النزعة الدينية التي توجه وتقود تحركات القيادة الامريكية. ينقل التقرير اعتراف المحاربين الأمريكان القدامى بأن «مشاعرهم اهتزت عند سماعهم كلمات : الى الأمام أيها الجنود المسيحيون». ويتحدث عن ان فرانكلين روزفلت كان برفقة تشرشل على متن بارجة حربية في شمال المحيط الاطلسي عام 1941 , وقال لابنه إليوت : نحن جنود مسيحيون وسنثابر بمساعدة الله». واقام روزفلت صلاة جماعية في يوم إنزال النورماندي : «بمباركتك سوف ننتصر على قوات العدو الشريرة», وزحف أهالي 50 جنديا من كوربس كريستي في تكساس مسافة شارعين على ايديهم وركبهم تكفيرا عن خطاياهم.
وللدين مكانة بارزة في الحياة الامريكية عامة, وهو يهيمن على عقول وتصورات رؤساء هذا البلد الذين يعتبرون الدين المسيحي ملهما لهم. ويؤكد ذلك صمويل هنتنغتون في كتابه «من نحن, التحديات التي تواجه الهوية الامريكية» حيث ذكر حقائق كثيرة عن الشعب الامريكي وعلاقته بالدين. يقول: كان الامريكيون شعبا متدينا جدا وبأغلبية مسيحية ساحقة خلال تاريخه كله. وينقل هنتنغتون عن سدني ميد ان كلمات « فصل الدين عن الدولة» لا تظهر في الدستور, ويؤكد ان الدين والمجتمع متجاوران. وينقل عن توكفيل قوله: عندما وصلت الى الولايات المتحدة كان المظهر الديني في البلد هو الشيء الأول الذي لفت انتباهي, وبقدر ما طالت إقامتي هناك أدركت أكثر النتائج السياسية العظيمة التي افرزتها هذه الحالة الجديدة للأشياء. ويقول كذلك : لا يوجد بلد مسيحي في العالم يؤثر فيه الدين على أرواح الناس أكثر مما في أمريكا …والمسيحية لذلك, تحكم دون صعوبة, بالإجماع العام». وقال كرسيتر ستندال, عالم اللاهوت السويدي, أن « حتى الملحدين في أمريكا يتكلمون بطريقة دينية». وسئل الشعب الامريكي عام 1999 عن معتقداته وايمانه بالله أو بروح كونية أوعدم الإيمان بأي منها, وكانت النتيجة ساحقة عندما قال ستة وثمانون بالمائة انهم يؤمنون بالله.
وينقل هنتنغتون عن واشنطون قوله : «يمنعنا العقل و التجربة توقع إمكانية فوز الأخلاق الوطنية دون المباديء الدينية». ويقول الرئيس الامريكي إيزنهاور: «ليس لحكومتنا معنى ما لم يكن مؤسسا على شعور عميق بالإيمان الديني, ولا يهمني ما هو».
ويتحدث هنتنجتون عن الركائز الرئيسة للدين الامريكي المدني والتي تتضمن الفرضية المركزية أن نظام الحكومة الامريكية يقوم على أساس ديني وينطلق من فرضية وجود كائن أعلى. يقول ايزنهاور : الاعتراف بكائن أعلى هو التعبير الأول الجوهري للأمركة. فدون إله لا يمكن وجود حكومة ذات شكل أمريكي ولا طريقة حياة امريكية. ومنها سيادة الأوهام والرموز الدينية في البلاغة والطقوس والشعائر الامريكية العامة. فالرؤساء يؤدون القسم على الكتاب المقدس, ولدى الخدمات العسكرية وحدات كبيرة للمرشدين الدينيين, وجلسات الكونغرس تفتتح بالصلاة. وتبدأ المراسم والنشاطات الوطنية نفسها بصلاة دينية جلية وتؤدي وظائف دينية.
ولنقف هنا مع مقتطفات مما نقله صاحب الكتاب عن وصف بيتر شتاينفيل لاحتفال تنصيب بل كلينتون عام 1993 : (كان في جوهره أداء مهيبا لقسم على الانجيل بدأ بصلاة وانتهى باخرى ورافقته ترانيم دينية وموسيقى وطنية, كان الاسبوع غنيا بالإيماءات الدينية الى جانب لحظات الألحان الدينية العالية, بدأ اسبوع التنصيب رسميا بقرع أجراس الكنائس في كل انحاء البلد, وفي جامعة هاورد استعاد بل كلينتون ذكرى المحترم الدكتور مارتن لوثر كينغ الإبن, فذكّر بدروسه واقتبس بعض الآيات من التوراة التي اختتم بها خطاب تنصيبه. وكان الرئيس محاطا طوال اليوم بمجموعة من القادة الدينيين).

والرئيس الحالي بوش يعتبر رئيسا متدينا ويحتكم الى رب اعلى, ووصفه الحرب على افغانستان والعراق بانها حرب صليبية, لم يكن عبثا بل لم يكن مستغربا لمن يعرف الخلفية الدينية للرئيس بوش. يذكر تقرير نيوزويك ان الرئيس بوش قال لوودوارد : «طبعا لن ابرز الحرب بأنها دينية». وتحدث بوش الى رئيس تحرير نيوزويك قائلا : بالنسبة لي, الايمان بالله منحني الأمل والقوة للمثابرة, أنا لا اظهر ذلك كثيرا, ولا أحب التحدث عنه وربما يجب أن أكون أكثر وضوحا بشأن مشاعري, لكنني شعرت بذلك, شعرب به في صميمي». وذكر هنتنغتون أنه في عام 2002 اصدر الرئيس بوش قرارا يحظر فيه الوكالات الفيدرالية منع المنظمات الدينية من تلقي التمويلات لبرامج المجتمع والخدمات الاجتماعية وقال : ( ستنتهي أيام التمييز ضد المجموعات الدينية لمجرد انها دينية). ويعلق هنتنجتون على انشاء البيت الابيض مكتبا للمبادرات الخيرية, قائلا : انشاء البيت الابيض لمكتب المبادرات الخيرية القائمة على الايمان هو أمر لم يسبق له مثيل ولم يخطر على بال الادارات السابقة. لقد غدا الدين عنصرا شرعيا وفاعلا في الحكومة الفيدرالية بطريقة لم تشهدها ايه إدارة سابقة.
هذا ونحن في العالم العربي نطارد الجمعيات الاسلامية ونضيق عليها الخناق ونمنع عنها التمويل بجحة مكافحة الارهاب!!. بينما اكبر متزعم لمحاربة الإرهاب وهو الرئيس بوش يصارع من أجل فتح باب التمويل على مصاريعه للجمعيات الدينية هناك.!!
أخيرا, اقول أين الذين ينادون بنبذ التراث الاسلامي واللحاق بركب النهج الغربي عن هذا الكلام. والذين يعتبرون الدين الاسلامي وتحكيمه في الحياة رجعية في هذا العصر. بينما نرى أن من يريدوننا ان نلحق بهم نجدهم يتشبثون بمعتقداتهم الدينية ويعتبرونها مصباحا ينير لهم الطريق وأن لا معنى لحكوماتهم من غير أن تكون مؤسسة على شعور ديني. بينما نجد في بعض البلدان الاسلامية من يصارع من أجل ابعاد الدين عن الحياة ويعقد لذلك قوانين تشرع لهذا الخطأ الجسيم.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إعلام | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر