الهروب الكبير للمهندسين السعوديين
كتبهاصقر العنزي ، في 14 أبريل 2007 الساعة: 23:23 م
قبل فترة وصلني اعلان دعائي لمؤتمر هندسي سيعقد في دولة مجاورة لنا, والمؤتمر هدفه الحديث عن ابرز التقنيات الجديدة في احد المجالات الهندسية والتجارب الناجحة في هذا المجال, وتبادل هذه الخبرات بين الدول المشاركة. وحقيقة وقفت عند هذا الاعلان طويلا, وشاهدت الاسماء القائمة على المؤتمر والمتحدثين فيه واذا بهم من السعودية واغلبهم من شركة ارامكو السعودية. وتساءلت لماذا يقام المؤتمر في تلك المدينة الخليجية ولا يقام هذا المؤتمر في الظهران؟
اولا يعلم الجميع, ان لهذه المؤتمرات فوائد جمة من حيث تبادل المعرفة والخبرة في كافة المجالات سواء كانت هذه المؤتمرات مؤتمرات هندسية او طبية او اقتصادية. واذا كان حضور المؤتمرات العالمية التي تقام خارج البلد أمرا ضروريا يعكس الصورة الحضارية للبلد والمساهمة الكبيرة من ابنائه في خدمة العلم والانسانية.فالاجمل من ذلك كله اقامة هذه المؤتمرات العلمية هنا في السعودية ودعوة اصحاب التخصص للمشاركة والتعرف على البلد عن قرب خاصة أن العالم اصبح ينظر الى السعودية نظرة مختلفة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وهذه المؤتمرات هي طريقة سليمة لإعطاء صورة حقيقية للبلد وأهله. ومن فوائد هذه المؤتمرات كذلك انعاش الاقتصاد المحلي والتعريف بابرز معالم المدينة المستضيفة عن طريق اقامة الزيارات التعريفية للحضور والزوار. اضف الى ذلك تدوين اسم البلد في قائمة الدول المستضيفة له دلالة كبيرة على تشجيع هذا البلد للنهضة العلمية والتبادل المعرفي بين الدول. واذا كنا نتحدث عن المؤتمرات في المجال الهندسي على وجه الخصوص, فانني استغرب كثيرا الا تكون مدينة الظهران هي المدينة الاولى في العالم التي تحتضن المؤتمرات العالمية حول النفط والغاز؟ اليست هي المدينة التي تحتضن اكبر شركة زيت في العالم؟ اليست هي المدينة التي تجري من تحتها انهار الخير النفطي لهذا العالم؟. اليست هي المدينة التي ينظر اليها العالم على انها منبع الطاقة ومصدرها الرئيس؟ ومع ذلك تغيب الظهران عن احتضان كل مؤتمرات الغاز والنفط, وفازت بالسبق دبي والمنامة؟ وحقيقة هذا أمر مخجل. ان تقام هذه المؤتمرات في دولة مجاورة لك استطاعت ان تسهل كل السبل والخدمات من اجل اقامتها على ارضها, وتجد ان الجهد المبذول للتنسيق والتحضير هو جهد ابناء بلدك. وأن أغلب الحضور من الشركات الكبرى اتوا لتسويق منتجاتهم والتعاون مع شركات بلدك.
وكثيرة هي المؤتمرات الهندسية, بحكم التخصص, التي تقام سنويا ولها اسمها في مجال تخصصها, هي من بنات فكر شاب سعودي, وتعب على انشائها سعوديون, ورئيس الجمعية التي تشرف على المؤتمر او فرعها الرئيس في الخليج هو سعودي, واعضاؤها هم من السعوديين, والذين قاموا على رعايتها والتنسيق لإقامتها سعوديون, والحضور اغلبه سعوديون, والملقون لأوراق العمل هم سعوديون, والمحكمون اغلبهم سعوديون, والضيوف الكبار في المؤتمر جلهم من السعوديين, ولكن للأسف المؤتمر يقام خارج بلد السعوديين!!. ولنكن صريحين في ذلك, هم هربوا من التعقيد الكبير والبيروقراطية المسيطرة التي تمارس من اجل الحصول على ترخيص رسمي لإقامة مثل هذه المؤتمرات, حتى ولو كان المؤتمر يتحدث عن التكنولوجيا الجديدة في علم هندسة المواد, او عن الطرق الجديدة في تقنية المعلومات, او عن احدث الاساليب التقنية في التنقيب عن البترول, والوقت الطويل الذي يستغرقه الحصول على الترخيص هو اشبه برحلة طويلة مرهقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا يجب أخذ كل هذه الموافقات من أجل عقد مؤتمر في المجال الهندسي او الطبي على سبيل المثال؟ لماذا كل هذه البيروقراطية القاتلة التي تتعامل بها المؤسسات عندنا؟ والانظمة الشروط المعقدة التي تطالب بها؟ واذا كان لا بد من أخذ موافقات كثيرة, فلماذا يستغرق الحصول عليها وقتا طويلا؟ وما التأثير السلبي الذي ستأتي به المؤتمرات على هذه الشاكلة حتى يتطلب الامر كل هذا التعقيد؟ ولماذا لا يكون هناك تعاون كبير من قبل الجهات المختصة في هذا المجال؟
فحقيقة لا ينقصنا شيء لإقامة اي مؤتمر عالمي في اي مجال كان. والدول الاخرى لا تتفوق علينا بشيء. فالمادة متوافرة, ونمتلك الطاقات الشابة القادرة على صنع النجاح, وكل ما نحتاجه هو تسهيل الاجراءات الحكومية لإقامة هذه المؤتمرات خاصة في قضايا التأشيرات للزوار. ففي بعض الدول المجاورة يستطيع الضيف الحصول على تأشيرة الدخول من المطار او عبر الفندق الذي يقام فيه المؤتمر دون الحاجة الى انتظار اسابيع طويلة كما يحدث عندنا. والمصيبة ان تحضر لمؤتمر مثلا وتستعد له ومن ثم يأتي القرار برفض اقامته او التأخير في تأشيرات الضيوف مما قد يدفعهم الى رفض القدوم خاصة اذا كانت لهم ارتباطات اخرى.
لذا فاعتقد ان مركزية القرار في هذا الشأن أمر يجب اعادة النظر فيه, ودراسته من جديد والاستفادة من تجارب الدول الاخرى, كذلك مراجعة القوانين والأنظمة القائمة وتعديلها لمواكبة حركة التطور والتحديث. خاصة اننا نرى تسهيلات كبيرة تقدمها الدول المجاورة لنا من اجل كسب شرف اقامة هذه المؤتمرات على ارضها. وهي دعوة الى اللامركزية في اتخاذ قرار إقامة مثل هذه المؤتمرات, واعطاء صلاحية اقامتها اما الى الوزارة المعنية او الى الجمعيات كجمعية المهندسين السعوديين على سبيل المثال, او الى الشركات الكبرى كشركة ارامكو وسابك اذا كان المؤتمر متخصصا بشؤون النفط والبتروكيماويات. اضافة الى ذلك التنسيق مع الجهات المعنية في اقامة اي مؤتمر أمر لا بد منه على ان يكون هذا التنسيق على درجة عالية من الدقة من قبل المنظمين وتسهيلات كبيرة من قبل هذه الجهات. كذلك يجب الا يأخذ هذا الامر اكثر من اسبوع او اسبوعين على الاكثر للحصول على الموافقة النهائية. دون الرجوع الى اي جهة حكومة اخرى.
واخيرا, هذا التعقيد الذي نشاهده ليس مرتبطا فقط في مجال اقامة المؤتمرات الذي دفع الكثير من المهندسين السعوديين الى الهروب, ولكن هذا الامر اصبح سمة بارزة عندنا, انظر مثلا الى التعقيد الكبير الذي يمارس على المستثمرين السعوديين والذين هم ايضا هربوا من البيروقراطية القاتلة الى الدول المجاورة. ويكفي هنا ان اذكر ما نشرته جريدة (الرياض) من تحقيق حول هذا الأمر حيث قالت : (تبقى دبي وجهة المستثمر السعودي. وبالذات في قطاعي العقارات والأسهم، إذ سجلت التقارير الإحصائية أن حجم الاستثمارات العقارية التي خرجت من السوق السعودي إلى دبي خلال العام 2006 نحو 26 مليار ريال، بزيادة تقدر بـ 20 بالمئة عن العام الذي سبقه وخروج هذه الاستثمارات إلى دبي كان بسبب التسهيلات التي تقدم للمستثمرين السعوديين هناك. فالاستثمارات السعودية في دبي تقدر بنسبة 40 بالمئة من حجم الاستثمارات العقارية، وهذه النسبة سترتفع خلال السنوات المقبلة، على الرغم من كبر حجم السوق السعودي في قطاع العقار، وارتفاع معدلات الطلب الذي يشهده السوق المحلي)….لا تعليق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عامة | السمات:عامة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























