الحرية الشخصية
كتبهاصقر العنزي ، في 19 أغسطس 2007 الساعة: 15:54 م
(خلقت نفوسنا حرة, طبعها الله على الحرية, فحريتنا هي نحن, هي ذاتنا ومقوم حياتنا, هي معنى أن الإنسان إنسان, وما حريتنا إلا وجودنا وما وجودنا إلا الحرية). هكذا يقول لطفي السيد في حديثه عن الحرية, ويقول عمن ارتضى لنفسه العيش بلا حرية (فأي إنسان خمدت في صدره نار الحرية وأظلمت جوانب عقله من شعاعها الساطع جدير بألا يعتبر إنسانا وأن تسقط عنه تكاليف الحياة) هكذا يرى الحياة بلا حرية, وجود جسدي ولا غير. بل هي كحياة المجنون أو المعاق عقليا, الذي لا يكلف بما يفعل أو يتصرف لذهاب عقله.
وقبل ذلك كله, ومنذ قرون عديدة, أطلق الفاروق مقولته الشهيرة التي أصبحت عالقة في ذهن كل إنسان باحث عن حريته في هذه الحياة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتم أحرارا). فالحرية الشخصية هي جوهر حياة الإنسان وسر وجوده, وهي القائدة إلى حرية المجتمع. وهي ليست حرية واحدة بل حريات متعددة, فللإنسان حرية الرأي والتعبير والتحدث كيفما شاء ومتى شاء, وله حرية الفكر والاعتقاد, فلا اعتناق لدين جديد أو فكرة جديدة دون أن يكون الانسان في باديء الأمر حرا في اختياره, مالكا لزمام أمره. وله حق العبادة, فما أسوأ أن يتخفى الانسان عن أنظار الآخرين من أجل التعبد ومعرفة إلهه حسبما يعتقد في نفسه انه الحق. وله حرية حق الملكية الفردية دون منغصات أو شراكات إجبارية, أو تدخل في كيفية التصرف بماله. وله حق المساواة أمام القانون, فالشريف والوضيع والحر والعبد, والغني والفقير سواسية أمام العدالة القضائية.
والحرية هي الفكرة التي أشغلت بال الكثير من المصلحين الساعين الى استعادة الكرامة الإنسانية على الأرض العربية التي تئن من وطأة الاستبداد والاستكبار. فهي الفكرة الوحيدة المناهضة للاستبداد والظلم والعدوان والتسلط, وهي الحل الناجع لكل علل ومشاكل الحياة. إن البحث عن الحرية وسط حياة الاستبداد في الدولة العثمانية هو من قاد عبدالرحمن الكواكبي إلى القيام بالعمل الكبير (طبائع الاستبداد). الذي يعتبر نبراسا لكل باحث عن الحرية في عالم مستبد. فالاستبداد فكرة قائمة على استثارة الغريزة الحيوانية في النفس البشرية من أجل السيطرة على مقدرات الإنسان وسلبه حقوقه المشروعة للعيش بكرامة, وأخطر من ذلك كله تقييد حريته الشخصية, وتعطيل إرادته الفردية وعقله عن التفكير في التصرف والعيش كما يشاء. وعندها تتحول الحياة إلى ما يشبه حياة الغاب, وتتولد في النفس البشرية أخلاق سلبية خالصة كالبغض والكراهية وحب الانتقام, فتشيع الفوضى ويتحول الإنسان الى إنسان نفعي خالص باحث عن قوته فقط دون اعتبار لوجود الآخرين.
وفي العصر الحديث الذي نعيشه اليوم, انطلقت دعوات كثيرة باحثة عن حل لأزمة الاستبداد في أوطاننا العربية. وهي بلا شك دعوات مباركة تهدف الى الإصلاح والتغيير, كالمطالبة بالحقوق العامة وتحقيق العدالة والمساواة وإرساء دعائم الديمقراطية, والنمو الاقتصادي, والبحث عن عيش كريم ولكنها في أغلبها تعتبر دعوات ناقصة ومن الصعب أن تجد طريقها للنجاح مالم تحقق في بادىء الأمر عنصر الحياة الرئيس وهو الحرية الشخصية واستقلال العقل الذي أغفلته في كثير من طروحاتها. فالحرية سابقة كل دعوة إصلاحية, وهي أس الاصلاح الحقيقي, وكل محاولة إصلاح تغفل المطالبة بالحرية الشخصية, هي دعوة مشوهه مريبة, إن لم تكن في حقيقتها دعوة لعدم الاصلاح وإشغال للمجتمع بشعارات براقة ووعود عرقوبية. فالإنسان بلا حرية, إنسان ناقص يعجز عن تحقيق هدفه من كونه إنسان مستخلف في الارض, ولو ملك كنوز كسرى ومال قارون. ولا يغرنك تقلب الكثيرين في نعم الحياة, والحرية المزيفة, فالحرية لا تشترى بالمال, ولا بالجاه, ولا هي منحة سلطان مستبد, بل في كثير من الأحيان ما يكون النضال قرين الحرية, فالحرية النضالية طريق الحياة الكريمة. وكل حرية تأتي بلا نضال هي حرية تحمل في حقيقتها بذور فنائها.
ومفهوم الحرية الشخصية الذي ننشده بعيد عن مفهوم الحرية المنفلتة من عقالها, الباعثة على التحرر الاخلاقي والانسلاخ من تعاليم الدين ومبادئه. فهذه حرية مشبوهة, لا تحقق المعنى الرئيس لوجود الانسان في هذه الحياة, بل هي تقربه من طبيعة الحياة الحيوانية. فلا حرية دون رابط ديني والتزام أخلاقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إصلاح | السمات:إصلاح
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























