الجري خلف السراب!!

كتبهاصقر العنزي ، في 18 ديسمبر 2005 الساعة: 19:58 م

لقد أصبحت داءً اجتماعيا جديدا أثر على نفوس الناس واهتماماتهم,.وأصبحت الهاء لهم عن الأهداف السامية في الحياة وإشغالا عن الالتفات إلى قضاياهم الجوهرية في المجتمع. فهناك انشغال دائم من الناس في الحديث عنها ومدى ارتفاعها وانخفاضها, فمع كل انخفاض لها ينقص من عمر البعض سنوات, ومع كل ارتفاع يكتب لبعضهم عمرا جديدا, فالكل يبحث عن المادة لتأمين المستقبل المجهول, واللهث خلف المادة يعمي القلب أحيانا.

 

المصابون بهذا الداء لا يقدمون للأمة نفعا ويعيشون فراغا نفسيا وعقليا كما ذكر ذلك الشيخ القرضاوي في تعليقه على هذه الظاهرة. لقد أصبحت المضاربة في الأسهم الشغل الشاغل لكثيرين حتى أن بعضهم لا عمل له ولا شغل إلا التصلب أمام شاشات العرض وعينه تراقب هذا السهم وذاك السهم. والغريب أن البعض يحدثك من منطوق ديني ويقول أن تسعة أعشار الرزق في التجارة وان بعض الصحابة كانوا تجارا. وتجد هذا الشخص لا هدف له في الحياة إلا حضور عمله الرسمي ومطاردة الأسهم والجري خلفها. نعم هذا حق. ولكن الصحابة في نفس الوقت كانوا أصحاب حضارة وسمو, وكانت لا تشغلهم أموالهم عن الأهداف السامية وعن أداء واجبهم تجاه الأمة والمجتمع من أداء الفرض أو إغاثة الملهوف أو اطلاع نافع . إن التوازن مطلوب في هذه الحياة بين طلب الرزق وتأدية واجب المساهمة في خدمة المجتمع والبناء الحضاري للأمة.

 

إن الناس يتدافعون زرافات ووحدانا نحو هذا العراك الدائم اليوم, ويجدّ كل حالم منهم في البحث عن مصدر تمويل يكفل له الربح الوفير. ولقد وصل الحال إلى مطاردة الأسهم خارج البلاد وشد الرحال وتكبد المشاق من اجل الثراء المزعوم الذي يحلم به الجميع. وهذا الاندفاع الكبير تجاه الأسهم ليس سببه الأموال المكدسة التي لا تجد منفذا استثماريا لها,كما يعتقد البعض بل لقد أشارت بعض الدراسات إلى أن 85% من المساهمين في سوق الأسهم مدانون للبنوك. وإنما السبب الرئيسي هو اللهث في البحث عن الربح السريع الذي لا يتطلب تعبا أو مشقة.

 

هذه القروض التي أثقلت كاهل الكثيرين لها أضرار جسمية على حياة الناس المادية والنفسية خاصة إذا رافق ذلك خسارة تلك الأموال جراء المضاربة الفاشلة. فالبعض قد حمّل نفسه بالديون حتى كل كتفه عن حملها, والبعض الآخر "أغار" على مجوهرات زوجته وأغراها بنعيم دائم, فخضعت لإغراءاته وأعطته ما تملك, وهي تدعو في كل صلاة أن يرفع الله من قيمة سهم تلك الشركة ليتحقق حلم الثراء. والبعض الآخر لم يجد إلا بيته الذي يؤويه فجعله رهنا مقابل توفير مبلغ المضاربة أو الاكتتاب. وبعضهم نظر إلى سيارته التي تحمله فلم يجد فيها ما يغري في اقتناءها في مقابل كنوز قارون القادمة فحملها إلى اقرب "حراج" وباعها ووضع ثمنها في سوق " القمار الحلال". والحال بعد الدخول في هذا المعترك قد يكون مغايرا لما يحلم به الإنسان. فقد يكون فرح وسرور أو حسرة وندامة. وهموم ديون تميت الإنسان وهو حي. خاصة وأن هذا المعترك لا توجد فيه قوانين واضحة تكفل السلامة للمساهمين فيه, وتلعب الشائعات دورا فاعلا في توجيه بوصلة ملايين الريالات. كذلك هذا السوق يقع تحت رحمة ثلة ممن يسمون "الهوامير" الذين ينظرون بعين العطف إلى بقية صغار الأسماك في هذا البحر اللجي. فمرة ينعمون عليهم بفتات موائدهم ومرة يجعلون منهم طعما لجني أموالا طائلة, فأصبح الكثيرون من هؤلاء الصغار ضحايا للعبة الأسهم هذه, وزوارا دائمين لعيادات الضغط والسكر, والبعض منهم لقي حتفه أمام شاشات الأسهم بعد أن توقف قلبه عن الحياة حين اختفت ثروته الطائلة ما بين غمضة عين والتفاتتها, بينما (الهوامير) على الارآئك ينظرون, وبأموال الضحايا هم ينعمون.

 

البحث عن فتوى!!

ما أن يعلن عن دخول شركة جديدة إلى السوق حتى يشمر عن السواعد بحثا عن فتوى تجيز المساهمة في أسهم هذه الشركة. ويكثر الهرج والمرج بين الناس وتنتشر بينهم الشائعات, وأن المفتي الفلاني قد "حلل" الاكتتاب بينما المفتي الآخر قد حرمها. والمشكلة هنا ليست في اجتهادات العلماء وإنما في تقبل الناس لها وكيفية تعاملهم معها. فبعض الجمهور بدافع الغيرة على الدين وحرصا على أن لا يدخل إلى جيب أخيه المسلم دينارا من ربا تجده يجتهد في نشر الفتاوى التي تدعو إلى الحرمة بين الناس حتى لا يقعوا في الربا, ويغض الطرف عن الفتاوى الأخرى.  وسيتوقف عن المشاركة من عنده مقدار تقوى تدفعه إلى محاولة اجتناب الربا في تعاملاته كلها. بينما هناك صنف آخر من الناس تجده يبحث عن أي فتوى تجيز له الاستثمار أو المضاربة في هذا السهم أو ذاك, حتى ولو أفتى له جاره الأمي يدفعه في ذلك حلم الثراء المزعوم. وصنف أخر لم يلتفت من الأصل إلى حل أو حرمة, فكل ما يعنيه في هذا الأمر أن يجني أرباحا طائلة تنفس عنه عناء الحياة وتتيح له العيش الرغيد والسعادة المادية الدائمة.

 

لذا فإن تضافر الجهود لمواجهة ومعالجة هذه القضية أمر لا بد منه. فالأسهم أصبحت داء عضالا وأزمة خانقة تجني على المجتمع من حيث لا نشعر. وإن اتحاد العلماء المهتمين بهذا الأمر مع بعضهم البعض وتواجدهم تحت مظلة مركز يجمعهم مع بعض الخبراء في الاقتصاد والمحاسبة من اجل توحيد الفتيا بحيث يعتبر هذا المركز هو المخول له الفتيا في قضايا المعاملات المالية, من شانه أن يسهل على الناس وييسر عليهم بدلا من الفتيا الفردية. كذلك على هيئة سوق المال أن تضع قوانين صارمة تحكم السوق لحفظ أموال الناس من تلاعب المتلاعبين, وان تكون قراراتها صارمة حازمة تطال الجميع. وان تشهر بكل مخل بالقوانين متلاعب بها. ولأهل التربية والفكر والثقافة دور كبير في هذا الأمر, من التوجيه وزيادة الوعي عند الناس ودفعهم نحو الاهتمام بمعالي الأمور وحثهم على التوازن في جوانب الحياة كلها وان لا يطغى جانب على آخر خاصة أننا نعيش في عصر تتكالب فيه كل قوى العالم على منطقتنا, ومن الغبن أن ننشغل عن هذا الأمر ونوجه كل الجهود بالجري خلف سراب الثراء وجمع المال.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اجتماعيات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر