طاروا بالعجة!!

كتبهاصقر العنزي ، في 29 يناير 2006 الساعة: 23:03 م

قرأت تلك الرواية النسائية التي أشغلت الناس في أول أيامها, ولم أجد فيها والحق يقال شيئا يدفع إلى كل هذه الضجة الكبيرة التي قامت حولها, بل حتى موضوع الرواية والهدف الذي أنشئت من اجله لا يحتمل أن يقابل بكل ما قوبلت به مدحا أو ذما خاصة وانه قد سبق هذا العمل أعمال أدبية استعرضت خبايا المجتمع بكل صراحة.

 

لا أريد أن اطرح هنا رائيا معينا حول تلك الرواية بقدر ما أريد أن استعرض بعض ردود الفعل التي صاحبتها خاصة بعد أن لقيت الرواية إقبالا من الناس كبير, وهو إقبال يحفزه التحذير المتواصل من خطورة هذا العمل على منظومة القيم الاجتماعية, وكذلك حب الفضول عند الناس لمعرفة خفايا المجتمع وخاصة في عالم النساء. فالغريب في هذا العمل هو الهالة الإعلامية الغير متوقعه له وسيل المديح من بعض الكتاب لهذه الرواية بشكل يثير الانتباه. ولعل الذين اطروا الرواية ما كان إطراء اغلبهم إلا تنكيل بالفئة المعارضة لمثل هذه الأعمال أكثر من كونه التفات إلى جماليات الرواية أو هدفها أو أسلوبها أو القضية التي تناقش. لقد أصبحت الرواية حلقة من حلقات الصراع المتواصل حول قضايا المرأة والأدب وتصفية حسابات بين بعض التيارات المتصارعة. وكما قال الأستاذ الروائي محمد المحيميد في لقاءه مع مجلة المجلة أنه يخشى أن هذه الرواية قد تحولت إلى شأن اجتماعي وليس أدبي, وهذا ما حصل بالفعل.

 

إن بعض الذين هاموا بالرواية في حقيقة الأمر هم من الفئة التي لها رأي تصور خاص حول قضايا المرأة والتي لو أحيل أمر المجتمع المحلي إليها لحولته إلى مجتمع مفتح انفتاحا لا تحكمه الضوابط الأخلاقية والقيمية, بل تملؤه الفوضى بكافة أنواعها ويكون دور امرأة فيه سلعة تباع وتشترى على غرار ما يشاهد في العوالم الأخرى. وهذه النوعية إنما تطير فرحا بكل عمل أدبي أو غير أدبي يكشف المستور من خبايا المجتمع لا حبا في البحث عن معالجة هادفة لهذا الأمر للرقي بالمجتمع بقدر ما يشفي صدور القوم الحالمين بعالم حريات يتجاوز القيم والمبادئ والأصول التي تحكم الممارسات والمعاملات الاجتماعية. وهذا يتضح من خلال كتاباتهم ومعالجاتهم لكثير من قضايا المجتمع وخاصة القضايا المتعلقة بالمرأة.

 

والأغرب من ذلك كله هو تكالب الإسلاميين وبقوة نحو التحذير من هذا العمل على بساطته وعجزه لأن يكون عملا روائيا بمعنى الكلمة بحسب آراء بعض النقاد المعتبرين. ولعل السبب الرئيسي في تفاعل الإسلاميين مع هذه الرواية هو الدفاع عن الفضيلة وهو هدف سامي بغض النظر عن مدى صحة الالتفات إلى هذا العمل من عدمه. ربما تكون نظرة هؤلاء إلى الأدب المعاصر على انه قد أصبح أداة هدم للفضيلة عبر الرواية والشعر خاصة, أضف إليه الشح الذي نراه في الرواية العربية الهادفة والعجز الكبير في الدفع نحو تقديم أعمال أدبية بديلة مرضية, هو ما دفعهم إلى أن يقفوا موقف الضد مع كل عمل روائي لا يتفق ورؤيتهم الخاصة للأدب سواء اختلفنا مع هذا العمل أو اتفقنا. وهذا موقف أشبه ما يكون بالوصاية على الإنتاج الأدبي المعاصر ومحاولة التشكيك فيه وتفكيكه. وهذا أسهل الطرق وأيسرها, فمن السهل أن تكون قيما على الناس تصحح وتعدل ولكن من العصب أن تكون المبادر بالفعل المؤثر.  

 

وكالعادة, كان المدافعون عن حوزة الفضيلة والمحذرين من هذا العمل الروائي الجديد هم اكبر داع لتلك الرواية واكبر ناشر لها في أوساط المجتمع من حيث لا يشعرون. فهم كما يقال في المثل العامي ( طاروا بالعجة). فمن السهل أن تشغلهم بأمر ثانوي بسيط يبذلوا فيه طاقاتهم ويفرغوا فيه حماسهم الكبير دون تفكير عميق في أهمية واستحقاق هذا الموضوع لأن يكون هو الأولوية والقضية التي تشغل البال والفكر عن بقية القضايا المصيرية الهامة في الحياة. وكما يقول احد الظرفاء إذا أردت لعمل أن ينتشر فما عليك إلا أن تسلط عليه بعض هؤلاء وتنشر في أوساطهم أن عملك هذا يحمل في طياته خطرا على المجتمع ومن ثم مرره إلى بعض منتديات الانترنت الجماهيرية ثم اذهب إلى بيتك ونم قرير العين فعملك كفل له الانتشار دون دفع أموال طائلة إلى شركة دعاية أو نشر. فهؤلاء وحتى بدون قراءة العمل سيعملون على التحذير منه بشكل يصنع هالة إعلامية حوله تدفع الناس إليه وتكفل له النجاح. قد يقول قائل أن هذه حماسة ايجابية وجهد مبارك للدفاع عن القيم والمبادئ, ونقول لهم الحماس وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه رؤية حكيمة للأمور وتحكيم سليم للعقل ومعرفة أولوياتنا التي نعمل من اجلها وكذلك ما يستحق الالتفات إليه وما لا يستحق.

 

أضف إلى ذلك انه من حق كل إنسان أن يبدي رأيه في عمل معين و ينقده نقدا موضوعيا هادفا, ولكن ليس من حقه تجاوز حدود اللياقة الأدبية والتعامل الأخلاقي مع القضية كالدخول في عالم الغيب وإثارة المجتمع باختلاق حكايات وقصص هي اقرب للخيال وهاجس البال منها للحقيقة. فهناك خلط بين نقد العمل ونقد صاحب العمل. إن نقد العمل هو المطلوب وليس المهاجمة والتعرض لشخصية الكاتب بأمور منافية للأدب ومحاولة الانتقاص منه فهذه أساليب رخيصة لا يقبلها رجل منصف. إن الحمية للدين والفضيلة لا تكون بإساءة الظن والتحامل على الآخرين وكأنهم قد اسقطوا عمودا من الدين لمجرد عمل روائي بسيط. ولا تحسبن مثل هذه الأعمال ستخل بمنظومة القيم أو تهز المبادئ بقدر ما هي سحابة صيف عابرة ستمر كما مرت غيرها كشقة الحرية والعدامة وهذه هي قناعتي في هذا الأمر. إن التسرع العجيب والعجلة في معالجة الأمر من قبل الحريصين على منظومة القيم يوقعهم في مزالق خطيرة قد تفسد عليهم حسن نيتهم, وهذا ما حصل ويحصل في كثير من القضايا الاجتماعية التي نعيشها. لا أريد أن أعود إلى كيفية معالجة هؤلاء وموقفهم من التقنية الجديدة كالانترنت والفضائيات مثلا فقد تطرقنا إلى هذا الأمر من قبل, وكل الذي أريد أن أقوله أن اغلب تلك التصرفات تدل على أن قلوب القوم على الدين ولكن ممارساتهم وطريقة معالجتهم ليست من الدين في شيء هذا إن لم يكن فيها ضرر بالدين عظيم.

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اجتماعيات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر