إنصاف أهل الإبداع

كتبهاصقر العنزي ، في 19 فبراير 2006 الساعة: 19:13 م

(إن أي مشروع حضاري عربي لا بد أن يقوم على الإسلام وعلى العلم). هذه الكلمات كانت رسالة من أديب عربي حريص على نهضة أمته بعث بها إلى ندوة أقيمت عام 1994 تحت عنوان (نحو مشروع حضاري عربي). هذه الرسالة صدرت من إنسان مؤمن يعظم الإسلام ويحترم ثوابته, بعيد النظرة, وهو ناصح أمين لهذه الأمة التي تخلت عن دينها وأهملت العلم, فضاعت هيبتها وتخلفت عن ركب التطور الحضاري بعد أن كانت هي محضن العلم وبنورها وحضارتها استنار العالم.

 

اذكر هذه المقدمة بعد أن اطلعت هذه الأيام على كلام رائع للروائي الكبير نجيب محفوظ والذي يبين حقيقة الفكر الذي يحمله والهدف الذي سعى إليه من خلال روايته الشهيرة ( أولاد حارتنا), وان كل الضجة التي قامت حول الرواية - حيث اتهم محفوظ انه يحاول المس بالذات الإلهية والسخرية بالأنبياء والدين - كانت نابعة من سوء فهم للرواية وعدم استيعاب للقالب الأدبي الذي جاءت به, خاصة بعد أن نالت الرواية جائزة نوبل للآداب, وهذا عند البعض مدعاة للاتهام.

 

و اطلعت على كلام الأديب الكبير عبر مقالة قرأتها للمفكر الإسلامي الكبير الدكتور احمد كمال أبو المجد كتبها في عام 1994 وأعيد نشرها في مجلة وجهات نظر في عدد هذا الشهر بعد أن وافق الدكتور أبو المجد على أن تكون مقالته هذه مقدمة للرواية حين يعاد نشرها . وفي هذه المقالة المقدمة ينقل الدكتور حقيقة هذه الرواية وموقف الأديب العظيم من القضايا الكبيرة التي دارت حولها. بل إن هذه المقالة هي  بالأصل عبارة عن ملخص لنقاش ثري دار بين الكبار الدكتور أبو المجد والأديب محفوظ اثر زيارة الدكتور له بعد تعرضه للحادث الإجرامي في عام 1994.

 

يقول محفوظ متحدثا عن الرواية (لقد كان المغزى الكبير الذي توجت به أحداثها (أي الرواية) أن الناس حين تخلوا عن الدين ممثلا في "الجبلاوي" وتصوروا أنهم يستطيعون بالعلم وحده ممثلا في "عرفة" أن يديروا حياتهم على أرضهم (التي هي حارتنا) اكتشفوا إن العلم بغير الدين قد تحول إلى أداة شر, وانه قد أسلمهم إلى استبداد الحاكم وسلبهم حريتهم فعادوا من جديد يبحثون عن الجبلاوي).  وافهم من كلامه أن هدف الرواية كان هدفا نبيلا ساميا حين يبين أن العلم وحده لا يكفي لنهضة الأمة وهو أداة شر كما قال إن لم يرتبط بالدين وهو الإسلام. وهذا كلام غاية في الروعة والإبداع وهو حقيقة يتحدث بها علماء الإسلام ويدعون إليها في كل محفل عبر كتبهم وندواتهم, بل ويعتبرون أن غياب الفهم لهذه الحقيقة هي سبب التخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة اليوم. فجاء هذا الأديب وعبر عنها بعمل روائي يقرب الصورة, وفي قالب محبب للناس, قد يدفعهم إلى فهم هذه الحقيقة أكثر من اطلاعهم على كتب العلماء أو حضور مجالسهم.

 

ويقول أيضا ( إن مشكلة أولاد حارتنا منذ البداية أنني كتبتها "رواية" وقرأها بعض الناس "كتابا" والرواية تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز, وفيه الواقع وفيه الخيال, ولا باس بهذا أبدا, ولا يجوز أن تحاكم الرواية إلى حقائق التاريخ التي يؤمن الكاتب بها, لان كاتبها باختيار هذه الصيغة الأدبية لم يلزم نفسه بهذا أصلا وهو يعبر عن رأيه في رواية) ومثّل محفوظ بعد ذلك بكتاب كلية ودمنة كمقارنة مبسطة لتقريب الفهم حول ما يقول.

 

كم نفتقد للإنصاف في كثير من تعاملاتنا مع المبدعين في عالمنا العربي وخاصة في عالم الأدب.  ونعتبر كل تفسير أو محاولة لصياغة الواقع بنفس روائي هي محاولة مشبوهة لتشويه الدين والاستهزاء به أو محاولة للنيل من جوهره وإبعاد الناس عنه.  إن المجتمع العربي ممثلا في بعض نخبه قد ظلم هذا المبدع ولم ينصفه ويحسن التعامل معه, فلو كان هدف نجيب محفوظ التطاول على الخالق جل شأنه, أو الاستهزاء بالدين كما يقال, لما عبر عن موقفه حول علاقة الدين بالعلم بذلك التعبير الرائع, ولما توقف عن إعادة نشر الرواية حتى يستبين النور ويفهم الناس حقيقة الأمر. يقول محفوظ (إنني حريص دائما على أن تقع كتاباتي في الموقع الصحيح لدى الناس حتى وان اختلف بعضهم معي في الرأي, ولذلك لما تبينت أن الخلط بين "الرواية" و"الكتاب" قد وقع فعلا عند بعض الناس وانه احدث ما احدث من سوء فهم اشترطت ألا يعاد نشرها إلا بعد موافقة الأزهر على هذا النشر). لذا لا اعتقد أن إنسانا يقول هذا الكلام ويشترط موافقة الأزهر الشريف على إعادة نشر الرواية رغم تبرم بعض النقاد بهذا الشرط وعدم رضاهم عنه, يكون هدفه هدفا سيئا. حتى ولو قال البعض أن هدفه من ذلك المصالحة مع الأزهر, فهذا في حد ذاته هدف نبيل. إن من كان هدفه النيل من المقدس  فالشهرة دافعه لذلك وهي هدفه الأول والأخير وسيقوم بإعادة نشر ما يكتب مرات ومرات كسلمان رشدي وأمثاله. ولكن هذا لم يكن موقف الأديب الكبير الذي تحدث بلغة راقية تحمل في طياتها احترام للدين وغيرة على الأمة.

 

إن كثيرا من المواقف التي خرجت رافضة لهذا العمل الأدبي من حسن التصرف أن يعيد أصحابها النظر فيها, ويراجعوا حساباتهم من جديد, فلعل هناك ما خفي عنهم واستحثهم لاتخاذ موقف قد يكون من الإنصاف للتاريخ التراجع عنه. ورغم هذه الدعوة للمراجعة الحقيقية أقول انه لمن المؤلم حقا أنه بعد سنوات طوال يأتي بعض الإسلاميين في مصر ويعترفوا بنجومية نجيب محفوظ وقدرته الأدبية وأعماله الروائية الرائعة, بعد أن وقفوا في وجهه فترة طويلة. أقول من المؤلم لأن سنوات طوال ضيعت في جدل عقيم, وصراخ طويل, ومعركة سببها سوء الفهم للحقيقة وعدم القدرة على قراءة الآخرين القراءة الصحيحة والاندفاع السريع نحو التأثيم والاتهام. سنوات طوال يحرم المجتمع من أعمال قد تعيد إليه شيئا من كرامته وتساهم في انتشاله من كبوته إذا آمنا بفعل العمل الأدبي في رقي المجتمع وتطوره. ولكن أن يأتوا متأخرين ومنصفين للغير خير من أن لا يأتوا أبدا.

 

ختاما, لا أريد أن أقول أننا امة لا تقدر مبدعيها, في عصر يفخر كل بلد بمبدعيه, ولكن أقول يا قوم قليل من الإنصاف لأهل الإبداع, واتركوا الناس تنعم ولو بقليل من إبداعهم دون وصاية عليهم.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اجتماعيات, فكر | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر