الحرة الفارسية
كتبهاصقر العنزي ، في 5 مارس 2006 الساعة: 15:17 م
تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية تخصيص ميزانية خاصة لإيجاد لسان فارسي ناطق باسمها عبر إنشاء قناة فضائية تبث باللغة الفارسية موجهة للشعب الإيراني من اجل التأثير في الرأي العام الداخلي وإثارته ضد السلطة. كذلك ستنطلق قريبا قناة البي بي سي العربية, لسان بريطانيا العربي, وأكمل العقد لسان عربي روسي وهي القناة الروسية الناطقة بالعربية والتي يقوم على إدارتها مراسل الجزيرة السابق أكرم خزام.
ويأتي خروج هذه القنوات بلسان عربي إلى حدة الصراع الغربي على المنطقة العربية ومحاولة كسب شعوبها, فكل فريق يروج لأفكاره وقيمه ومبادئه, ولعل هذا نوع من الاستعمار جديد بعد أن انتهت مرحلة الاستعمار العسكري. لعل البي بي سي والقناة الروسية قد تجدان ترحيبا من قبل الشارع العربي, بعكس ما ستقابل به القناة الأمريكية الجديدة. البي بي سي ستعتمد على تاريخها الإعلامي الطويل ورصيد قناتها الإخبارية الجيد لدى المشاهد العربي, والقناة الروسية قد تكون محل ترحيب عربي نظرا للمواقف الروسية المحايدة أو المساندة للقضايا العربية, والتي تقدوها المصلحة الروسية أولا ومحاولة الوقوف في وجه الهيمنة الأمريكية ثانيا. وهي تلتقي مع الشارع العربي في هذا التوجه.
القناة الأمريكية الفارسية (التي لم تولد بعد وهي لا تزال تحت البحث والدراسة) من المتوقع إذا خرجت للنور أن تركز بشكل كبير على محاولة اختراق المجتمع الإيراني وإظهار افتقاره لقيم الديمقراطية والحرية, والشفافية والعدل, ومحاولة إثارة البلبلة لخلق جو ملائم يسمح بمحاصرة الحكومة الإيرانية لتلبية جميع المطالب الغربية والأمريكية وخاصة فيما يتعلق بالسلاح النووي. وكل ذلك عبر التركيز على أخطاء الحكومة واثبات عجزها عن تحقيق الديمقراطية, والدندنة على حق المرأة الإيرانية والاضطهاد التي تواجهه, أضف إلى ذلك العمل على زعزعة ثقة الشعب بالسلطة الدينية هناك.
ويأتي إنشاء هذه القناة كحلقة من حلقات الضغوط المتواصلة التي تمارسها الإدارة الأمريكية ضد مخالفيها في العالم. وكما نعلم فقد أوجدت أمريكا قبل هذا اللسان الفارسي المتوقع لسانا عربيا ينطق باسمها ويسبح بحمدها, وذلك بعد غزو العراق وهي قناة الحرة التي ينفق عليها بتمويل مباشر من الكونغرس الأمريكي, وتبث على نفس الموقع الذي كانت تبث من خلاله قناة العراق الرسمية قبل الغزو. فهم لم يكتفوا باحتلال الأرض بل اغتصبوا حتى الفضاء. وكذلك هناك راديو سوا الذي يبث مواده باللغة العربية أيضا, ومجلة ( هاي) وكلها موجهة للجمهور العربي في منطقة الشرق الأوسط. ولعل الهدف الذي أنشأت من اجله قناة الحرة خصوصا هو نقل وجهة النظر الأمريكية في القضايا الراهنة على الساحة وخاصة في قضايا العراق وفلسطين وكذلك الترويج للثقافة الأمريكية والفهم الأمريكي للديمقراطية وحقوق الإنسان في داخل أوساط المجتمعات العربية. أضف إلى ذلك محاولة كسب ود الشارع العربي من اجل تحسين صورة الحكومة الأمريكية في الأذهان بعد موجة الغضب العارمة التي عمت كل الشعوب العربية والإسلامية ضد تصرفات السياسية الأمريكية.
ورغم كل هذا الجهد الضخم الذي بذل وهذه الأموال الطائلة التي صرفت, فشل مشروع قناة الحرة حتى الآن. بل إضافة إلى ذلك هناك أصوات داخل الإدارة الأمريكية تنادي بإعادة التفكير في جدوى وجود هذه القناة بل بعضهم ينادي بوقف بثها بعد أن تكبدت الإدارة خسائر مالية كبيرة من دون جدوى فاعلة في الشارع العربي. ففي دراسة قامت بها السفارة الأمريكية في القاهرة في فترة سابقة تبين أن مشاهدي قناة الجزيرة في مصر حوالي 50% والعربية 21.1 % أما الحرة فلم تتجاوز النسبة 1.2% . وفي هذا دلالة على مقت الشارع العربي لهذه القناة المرتبطة بمسلسل الاستعمار الأمريكي لمقدرات الشعوب العربية في هذه المنطقة الغنية من العالم. نعلم أن العالم العربي يحتاج إلى إصلاحات جذرية في أغلب المجالات ولكن ما تهدف له قناة الحرة هو شيء غير ذلك فليس الهدف هو إشاعة الديمقراطية والحرية ومساندة الشعوب بقدر ما هو ترسيخ للقيم الأمريكية لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية. وفشل قناة الحرة هذا يقودنا إلى توقع فشل مشروع الحرة الفارسية والذي قد لا يجد له آذانا صاغية في الشارع الإيراني. فهذه القناة الموجهة ستلقى مصير قناة الحرة وستكون عالة على من أوجدها.
من جهة أخرى, وحتى هذه اللحظ لم يستطع الإعلام العربي غزو المجتمعات الغربية فضائيا بقنوات تخاطب المقابل بلغته الأم. فالشعوب الغربية محبة للعدل راغبة في السلام ومن الممكن أن تكون في صف الحقيقة لو علمت بها, ولكنها تعاني من غسيل للعقول والأدمغة تقوم به آلة الإعلام الغربي. فكل ما تعرفه هذه الشعوب عن العالم العربي هو صورة العالم المتخلف, والصحراء القاحلة, وصورة الإنسان العربي عندهم هي صورة إنسان من العصر الحجري أو إنسان سفاح ومجرم. وهذا ما تصوره بعض الأفلام التي تعرض للمشاهد الغربي وتعتبر عنده هي المصدر الوحيد الذي يطلع من خلاله على هذا العالم الغريب البعيد عنه. فالإعلام أصبح في هذا العصر هو المحرك الرئيسي والسلاح الفعال في إظهار الحقيقة أو تزييفها.
والإعلام العربي لا يزال يعاني من الاستبداد والسيطرة السياسية والفئوية عليه, وغياب الشفافية والحرية, وعجزه حتى عن كسب الشارع العربي. فكل الذي نراه من زحمة في الفضاء الإعلامي العربي من قنوات متعددة ما هي إلا قنوات تأسرها الحدود القطرية حتى في الجانب الفكري. وتقوم اغلب هذه القنوات على مبدأ الترفيه للمشاهد, دون إضافة نوعية له إلا ما ندر. لذا فإن الحاجة ماسة الآن أن نطور من إعلامنا العربي بالاعتماد على الكيف لا على الكم, ومقابلة هذا الغزو الإعلامي الغربي الموجه بغزو مقابل, يطلع العالم على قيمنا ومبادئنا, ويوضح له عدالة قضايانا وظلم الغرب لهذه المنطقة, وحقيقة الخدعة التي اشغل بها العالم اجمع وهي إشاعة الديمقراطية والحرية. وكيف ذهبت ضحية لهذه الكذبة بلاد احتلت ودمرت بحجة إزالة الظلم عن الشعوب وإضفاء شريعة العدل., وأن طريق الحرية التي ينادون بها يمر عبر أشلاء ودماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إعلام | السمات:إعلام
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























