الشتات..أو لتذهب الديمقراطية إلى الجحيم!!
كتبهاصقر العنزي ، في 14 مايو 2006 الساعة: 18:25 م
لم يكن زميلي, البريطاني الجنسية, يشعر بالارتياح حين رأى صورة رئيسه توني بلير على شاشة التلفاز, بل قال انه يشعر بإحباط كبير عند رؤيته له, فهو لم يعد رئيسا مستقلا بل أصبح تابعا لبوش. وقال انه عمالي ولكنه لن يذهب للتصويت له مرة أخرى. كذلك هذا الإنسان الغربي يقول انه (يحس بالتقيؤ) إذا شاهد رونالد رامسفيلد على شاشة التلفاز, لأنه اكبر كذاب في العالم. وزعم أمريكا أنها تريد نشر الديمقراطية في الوطن العربي دجل سياسي خاصة عندما وقفت في وجه حماس بعد فوزها. ويرفع صوته بنبرة غضب (إنهم يكذبون علينا بكلامهم هذا).
هذا هو شعور إنسان غربي يعيش في المملكة, بل استطيع القول انه شعور كثير من شعوب العالم التي ترى تناقضات عجيبة على الساحة الدولية. دعوات وشعارات صارخة تدعو إلى احترام حقوق الإنسان والى نشر الديمقراطية والعدالة وتحقيق الاستقرار والسلم الدوليين,. وفي نفس الوقت تظهر صور غوانتنامو والتعذيب والخراب في العراق لتزهق روح تلك الشعارات المزيفة. إن الديمقراطية التي يريدونها هي ديمقراطية متقلبة وفق المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية, وليست قائمة على تحقيق العدالة ونشر الحرية.
أحيانا يرد إلى الخاطر شعور أن الدول الغربية لم تحسب تبعات ضغوطاتها المستمرة على الحكومات العربية من اجل تطبيق الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان على ارض الواقع. فاليوم ومع الانفتاح الكبير والدندنة المتتالية على هذه المبادئ, فتحت نوافذ لتيارات أخرى لم تكن قد مارست العمل السياسي أو بمعنى اصح أبعدت عن ممارسته وضيق عليها كثيرا. فإذا كانت الدول الغربية تدفع نحو تطبيق الديمقراطية والعدالة في البلاد العربية فان هذا من شانه أن يجلب الإسلاميين عموما والتيار الإسلامي المعتدل على وجهة الخصوص إلى مراكز القيادة والتأثير وهم الذين تعتبرهم كثير من الحكومات الغربية أناس غير مرحب بهم في عالم السياسة لاختلاف المصالح والتوجهات الفكرية معهم. فالأحزاب الإسلامية هي أكثر التنظيمات ترتيبا في المجتمعات العربية ولها قواعد شعبية كبيرة قادرة على إيصالها إلى سدة الحكم, ولعل فوز حماس مثال صارخ هنا, كذلك ما حصل في مصر من تفوق واضح لتيار الإخوان المسلمين رغم حظر الجماعة والتضييق الأمني عليها, ولعل الانتخابات المغربية القادمة ستشهد تفوقا واضحا لحزب العدالة والتنمية حيث تنبأت استطلاعات الرأي بحصول الإسلاميين على مراكز متقدمة تؤهلهم لقيادة الحكومة. كل هذا من شانه أن يعيد قراءة الواقع العربي من جديد, فهذا التحول في البلاد العربية له تبعاته الباهظة على السياسة الدولية وعلى بعض الاتفاقيات التي جاءت رغم انف الشعوب العربية كالسلام مع إسرائيل مثلا. ولا اعتقد أن هذا التحول سيفرح السادة الغربيين بقدر ما يجلب لهم الصداع والدوار الذي لن ينفع معه بنادول الحكومات العربية, ويجعلهم يعيدوا حساباتهم من جديد. ولا يظن احد هنا أننا ندعو إلى أن يبقى الوضع العربي على حاله المأساوي هذا ولكننا نعتقد أن الشعوب العربية قادرة على النهوض بمجتمعاتها دون الحاجة إلى مساندة خارجية تدس السم في العسل.
وإذا كانت الديمقراطية في معناها البسيط تعني حكم الشعب للشعب, أي أن الشعب هو صاحب القرار الوحيد في اختيار من يحكمه, فان هذا المعنى المتفق عليه عالميا لا ينطبق على الحالة العربية. فما أن يتسع أفق الحرية على ارض عربية, حتى تجد منغصات كثيرة تحوم في الأفق أيضا تعيد المجتمع إلى سابق عهده بالظلام. ولعل اقرب مثال إلى ذلك الحالة الفلسطينية, فبعد أن اختار الشعب الفلسطيني حماس لقيادة حكومته, نهضت الحركات الصهيونية ووقف الغرب ضد هذه الاختيار حتى ولو جاء عبر انتخابات نزيهة, فان من شان هذا الخيار الديمقراطي أن يقلب موازين القوى ويخلط الأوراق ويعيد مسلسل السلام المزعوم إلى الوراء. وأدى هذا الرفض الغربي إلى حملة تضييق واسعة على الشعب الفلسطيني ومحاربته حتى في لقمة عيشه, ومحاصرة حكومته المنتخبة سياسيا لإسقاطها, أو الدعم لحكومة حماس مقابل الاعتراف بإسرائيل, وهذا منافي لمبادئ الحركة. والعجيب أن تشارك بعض الدول العربية في حملة التضييق هذه كمثل محاولة إلصاق التهم بحماس عبر تلفيق كذبة إدخال أسلحة ومتفجرات إلى الأردن. ولعل حملة التضييق هذه توجب على الشعوب العربية المساهمة في التخفيف من معاناة إخوانهم عبر دعمهم ماديا ومعنويا من خلال البرامج المسخرة لخدمة فلسطين كبرنامج اتحاد علماء المسلمين لنصرة الشعب الفلسطيني والذي يقوم عليه الشيخ القرضاوي. وان لا تنتظر الشعوب إشارة الموافقة من حكوماتها, فان بعض الحكومات قد ألقى رحاله في حضن بوش و أولمارت, والبعض الآخر يحارب المسلم إذا صلى أكثر من صلاة في مسجد واحد, فكيف يسمح بدعم جماعة يرى سيدهم أنها إرهابية!!
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو أين شعار الديمقراطية والحرية الشعبية التي يتحدثون عنها؟! لتذهب إلى الجحيم مادامت هذه الديمقراطية ستجلب لليهود الذعر وتعيد لهم كوابيس الشتات والرحيل وانتهاء دولتهم. خاصة مع الوعي الشعبي العربي المتزايد والذي يدفع نحو هذه الفكرة والى الصمود والمثابرة والى الثورة على تيارات الاستسلام التي تحابي الأجنبي على حساب القضايا المصيرية للشعوب, بعد أن عاشت الشعوب العربية سنوات طوالا تحت ظلال الشعارات القومية والعروبية التي أملتها كثيرا وخدرتها بأحلام العزة وخيالات الانتصار, فلم تجني من هذه الشعارات عبر السنين سوى تكريس الاستبداد على الأرض العربية والهزائم المتتالية أمام عصابات غادرة تجمعت من كل أقطار العالم, واستطاعت أن توجد لنفسها موطئ قدم على ارض النبوات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:سياسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























