خذوا العلماني فغلّوه….ثم الجحيم صلّوه!! (2\2)
كتبهاصقر العنزي ، في 4 يونيو 2006 الساعة: 20:29 م
المجتمع السعودي مجتمع محافظ, عنده يقين تام بوجوب الالتزام بالإحكام الشرعية, وعنده تقدير كبير يصل حد التقديس للعلماء والدعاة والمصلحين, وهذا ما يدفعه إلى الثقة في كل حرف ينطقون به, لأنهم يوقعون عن الله. وهذه الصفة تعتبر مزية تحسب لهذا المجتمع, فالعلماء والدعاة هم ملح الدنيا كما يقال.
هذه المحافظة ولدت حساسية عالية عند المجتمع ضد تقبل الأفكار الأخرى التي جل معرفته بها قد لا يتجاوز الوصف بأنها أفكار هدامة مهما كان فيها من جماليات. واستغل البعض هذه المزية, فوظف الدين واستغل قدسيته في نفوس الناس من اجل تحقيق مكاسب فردية وفئوية أو لتصفية الحسابات مع الخصوم. فما أسهل أن تسقط خصما بمجرد أن تروج بين الناس انه علماني أو ليبرالي. فهذه المصطلحات عند المجتمع السعودي مرادفة لمعاني هدم الإسلام, وتعطيل الأحكام الإسلامية, واستهداف القيم والمبادئ, وتشجيع الانحلال والانحراف وانتهاك الأعراض, والاختلاط وخروج المرأة سافرة عارية على الشواطئ وفي الأسواق.هذا تصور اغلب الناس عندنا وهكذا يفكرون وللأسف الشديد, وهو تصور فرضته نظرة دينية كثيرا ما اختلطت بمصالح سياسية, فغيبت التوجيه السوي للمجتمع القائم على احترام عقل الإنسان وتحقيق العدل مع الآخرين وإنصافهم. فتصور أن يتهم إنسان ما بأنه علماني وسط هذا المجتمع المحافظ, كيف ستكون نظرة الناس إليه؟ خاصة إذا اختلط ذلك بمحاولة تحريض السلطة ضده وإيهامها بأنه يشكل خطرا كبيرا على المجتمع, والدعوة إلى التضييق عليه حتى في رزقه, والمطالبة بفصله من عمله, أفلم يفصلوا ذلك المفكر من وزارة التعليم لمجرد خلاف ديني معه بعد أن اتهموه بالبدعة؟
في أي انتخابات عامة تقام لهيئة أو لجنة أو مؤسسة, تجد الأسلوب الأمثل عند هؤلاء لكسب تعاطف الناس واستجلاب أصواتهم لتحقيق الفوز والنصر المبين هو إصدار بيان يتضمن اتهام المنافس لهم بالارتماء في أحضان العلمانية والليبرالية, أي بمعنى آخر اتهامه بالبعد عن الإسلام. ولقد شاهدنا وقرأنا تلك البيانات التي خرجت في الانتخابات البلدية تتهم مجموعة من المرشحين بالعلمانية ومجموعة أخرى بالبدعة والضلالة. ومن ثم تصوير المشهد للمواطن بان صوته أمانة, وانه من الخيانة للدين أن تعطي صوتك لهؤلاء العلمانيين و المبتدعين!!وأن النجاة من الإثم والهروب من عذاب الله يوم القيامة هو بالتصويت لتلك القائمة المكونة من أفراد يمثلون الفرقة الناجية؟!! ويوهمون الناس بان فعلهم هذا فيه خدمة جليلة للإسلام وهو في حقيقة الأمر خدمة لهم وليس للدين!! بالله عليكم هل هذا تنافس شريف ؟ وهل هذا التوظيف للدين يرضي الله ورسوله؟! وهل في هذا الفعل احترام لعقول الناس وإنصاف للمخالف؟ لماذا لا يكون التنافس بنوعية المشاريع المقدمة وتميزها ونفعها للناس بدلا من تنكب الطريق وإلقاء التهم وكيلها جزافا لأناس أبرياء قدرهم أن وقعوا أمام قوم يعتبرون أنفسهم ملائكة تمشي على الأرض وغيرهم شياطين مردة. وعلى النقيض من هذا كله, وهذا من العجائب, تجده هؤلاء كثيرا ما يتحدثون عن الوحدة الوطنية والتماسك الداخلي!! ولا ادري كيف تتسق الدعوة للوحدة والتماسك مع اتهام المخالف بأقذع التهم ومحاولة إخراجه من الدين؟ أهذه هي الوحدة الوطنية التي ينشدونها؟ أهذا هو المشروع الذي يسعون إليه ويحلمون بتحقيقه, والذي يقوم على الهدم أولا ثم البناء بعيدا عن التكاملية والمشاركة؟
من جهة أخرى, لا أقول أن من يتهمون بالعلمانية هم براء أيضا من استخدام أساليب التحريض والوشاية والمز ضد مخالفيهم, ولكن من التناقض بمكان أن يمارس من يصفون أنفسهم (بحماة الفضيلة) الأساليب نفسها التي كانوا ينكرونها على مخالفيهم في الماضي. فكثيرا ما خرج احدهم يذكر أن هؤلاء العلمانيين يحرضون الحكومة على المناشط الدعوية أو المشاريع الخيرية (وقد يكون محقا) وان هذا أسلوب رخيص لا يفعله إلا متزلف لا يعرف طريق النزاهة, والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل الأسلوب الأمثل اليوم أن تفعل ما أنكرته على غيرك؟ وتحرض ضد من يخالفك, يا حكومة, هذا علماني, خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه, فانه قد خان الله ورسوله!! هذا ليس من منطق الدين ولا العقل. مع انك لو جلست مع (بعض) من يوصفون بأنهم علمانيين تجدهم من أهل الصلاة والصيام, ومن المحافظين على القيم والمبادئ وعادات المجتمع, فمن أين جاءت علمانيتهم؟! أم أنها مصطلحات غابت معانيها الحقيقية وتستغل من البعض للتشهير في مخالفيهم وتشويه صورتهم في نظر المجتمع. حتى ولو كانوا أناس وطنيين خدموا المجتمع في مواطن كثيرة ولهم انجازات تشهد لهم, بعيدا عن السلوك الشخصي للإنسان والذي هو بين العبد وربه ما لم يتعد أثره إلى الآخرين.
لعلي أسجل هنا نقطة هامة وهي انه يوجد في المجتمع من الفضلاء وأهل الاعتدال من يخالف هذا النهج من التفكير والتعامل ويدعو للنهوض بشفافية مبنية على حسن الظن والتعامل الراقي مع الآخرين بعيدا عن كيل التهم والتنابز بالألقاب, وهم يقودون مسيرة الوحدة الوطنية, غيرة على هذا الوطن وحماية له من عاديات الزمان. لذا فان واجبنا جميعا محاربة التطرف الفكري والتكفير المبطن والدعوات الهدامة التي تؤخر الإصلاح المنشود, ودعوة الجميع إلى الابتعاد عن هذا النهج الذي لا يخدم دينا ولا وطنا ولا امة على وجه الإطلاق, بل يكرس التخلف ويعيق عن اللحاق بركب الحضارة والمدنية, ويدخل المجتمع في ظلام حالك, الضحية الأولى والأخيرة فيه الوطن والمواطن المسكين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إصلاح, فكر | السمات:فكر, إصلاح
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























