المؤسسات المدنية… بين الاستقلالية والهامشية !!
كتبهاصقر العنزي ، في 25 يونيو 2006 الساعة: 22:03 م
فرض التطور السريع في عالم اليوم نفسه على المجتمعات الخليجية, وخاصة مجتمعنا المحلي الذي يمر بمخاض عسير, ودفعها للبحث عن أفق التجديد ومحاولة اللحاق بركب المدنية الحديثة, وولد إحساسا عميقا لدى هذه المجتمعات بضرورة بناء مجتمع ديمقراطي يقوم على احترام الإنسان والثقة بقدرته على البذل والعطاء وعلى تحمله للمسؤولية. ومن طرق ذلك الشروع في إيجاد مؤسسات المجتمع المدني لتعمل على خدمة المجتمع وتساهم في رقيه وتطوره.
غياب مؤسسات المجتمع المدني, في أي مجتمع كان, من شانه ترسيخ فكرة المجتمع الشمولي الذي يهمش المشاركة الشعبية, ويدعم المركزية والبيروقراطية, ويكرس الوصاية البابوية الدينية والسياسية ويطيل أمدها,. وكل هذا سيؤدي بلا شك إلى تعطيل الإصلاح والتأثير سلبا على مسيرة التنمية. لذا فوجود هذه المؤسسات ضرورة ملحة لكل مجتمع متحفز للنهوض. وهي تعتبر سندا كبيرا ودعامة صلبة لتحقيق المصالح العليا للمجتمع, و إلى تخفيف العبء عن كاهل الحكومة في تحمل تبعات مسؤوليات اجتماعية كبرى, حيث تقوم فئات المجتمع بإدارة وتصريف شؤونها, وفي ذلك عمل مضن ومشقة كبيرة, وصرف جهد ومال, ورقابة ومحاسبة, بما لا يخل بالمصلحة الوطنية وبقانون ودستور البلد, وتقاليد ومبادئ المجتمع. كذلك تعمل هذه المؤسسات على محاربة الاحتكار بكافة أنواعه, والى تطبيق القانون وأحكامه, وهذه أهداف مشتركة للحكومة والمؤسسات. كذلك وجودها من شانه أن يدفع نحو المزيد من المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار, والى إطلاق الحريات وقيام ديمقراطية حقيقة. فمثلا هيئة أو نقابة المهندسين تقوم بدور هام في خدمة المهندسين والحفاظ على حقوقهم والدفاع عنهم وتطوير المستوى الهندسي في البلد, كذلك الحال لدى هيئة الصحفيين التي من شانها أن تقوم بدور رائد في الحفاظ على حرية الرأي والتعبير والدفع بالشفافية الصحفية إلى أفق أرحب, وهذه من أهم ادوار مؤسسات المجتمع المدني, كذلك المؤسسات العلمية والشرعية لها دور كبير في ذلك. والعلاقة بين مؤسسات المجتمع وبين الدولة هي علاقة تكاملية تصب في مصلحة البلد ومن شانها أن تسرع في عجلة الإصلاح والنهوض والتطور المنشود. وهذا ينفي الاعتقاد السائد عند البعض من أن الدولة ومؤسسات المجتمع المدني ندان متصارعان, ومن المستحيل أن يلتقيا, فهذا كلام خاطئ وغير دقيق مادامت العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل والشفافية والحرص على المجتمع, والخضوع لسلطة القانون.
ومع دعوتنا إلى إيجاد مثل هذه المؤسسات, وبعضها قائم بالفعل, ولكننا لا نريدها مؤسسات مجتمع مدني هامشية, تفتقد القدرة على العمل وعلى روح المبادرة والفعل, وتنتظر صدور التوجيهات و الأوامر للقيام بأدوارها المناطة بها, فهذا من شانه أن يقتل حقيقة المؤسسة المدنية ويحولها إلى مؤسسة لا فرق بينها وبين المؤسسات الحكومية في شيء, ولا حض لها من المدنية إلا الاسم. فما الحاجة مثلا إلى هيئة حقوق إنسان يخضع أفرادها لسلطة التعيين, ولا نجدها حين الحاجة إليها لرفع ظلم أو الدفاع عن حق إنسان اغتصب منه , فهي لا تستطيع القيام بذلك قبل صدور الأوامر, أو هي تعمل على القضايا الهامشية وتهمل القضايا الإنسانية الكبرى. كذلك ما الحاجة إلى هيئة صحفية لا نجد لها صوتا حين تتعرض حرية الرأي والتعبير إلى التهميش, أو يتعرض صحفي إلى مشكلة كبيرة تحتاج إلى تدخل سريع, فهي إما مشغولة بالبحث عن تمويل ومقر جديد أو كسابقتها تنتظر صدور الأوامر العليا لها. وما الحاجة إلى مؤسسات للمهندسين أو الأطباء أو للكتاب و الأدباء وهي لا تحمل حقيقة مؤسسات المجتمع المدني القائمة على الاستقلالية والبعد عن الإشراف الحكومي والذاتية الجماعية والقدرة على صنع الإبداع والتحديث, و محاربة الفساد وتقويض أركان البيروقراطية وإيجاد نهضة حضارية. هذه صفات لازمة واجب توفرها في أي مؤسسة مدنية تخضع لإدارة أفرادها وقدرتهم على التضحية في خدمة رسالة المؤسسة. وان لم تتحقق هذه الصفات فوجود المؤسسة المدنية مثل عدمها.
من جهة أخرى, لا يزال هناك توجس لدى البعض من قيام مؤسسات المجتمع المدني, وهو توجس لا أجد تفسيرا له سوى الخوف والرهبة من تحديث قادم على الساحة المحلية من شانه الدفع نحو النهضة الشاملة وإسقاط الأبراج المقدسة العاجية. ولعل هذا دفع البعض إلى استباق الأحداث ومحاولة إعطاء صورة هزيلة وسيئة عن هذه المؤسسات, أو تصوير مدى خطورة وجودها وخاصة السياسية منها والتي من الممكن أن تكون نواة للأجندة الأجنبية والامتداد الليبرالي والعلماني. حتى ولو حاول إخفاء توجسه هذا برش كلمات جيدة عن دور المؤسسات في حياة المجتمع. وإذا كانت هناك حالات لتدخلات أجنبية في مؤسسات مدنية في بعض الدول, فهذا يعني وجوب العمل على وضع قوانين محكمة ورقابة شديدة تحفظ مؤسسات المجتمع من كل تدخل قادم, مع أننا نعيش في عصر أصبح فيه العالم قرية واحدة ومن الصعب أن تتحكم بعلاقات الناس بضعهم ببعض. في الوقت نفسه يجب إحسان الظن بأفراد المجتمع ونخبه خاصة وعدم استغلال تلك الأمثلة السلبية لدى بعض الدول لتشويه صورة هذه المؤسسات في أعين الناس, بل يجب العمل الدءوب على قيامها بأسرع وقت ممكن, وتعريف الناس بايجابياتها الجمة والتي ستعود عليهم بنفع عميم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اجتماعيات | السمات:اجتماعيات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























